الاثنين، 14 مارس، 2011

ثمانينية رفعة الجادرجي ..د. خالد السلطاني

ثمانينية رفعة الجادرجي :
------------------
















 
Dr. EMAD H. ISMAEEL
                  Dept. of Architecture E-mail:        emadhanee@yahoo.com
                  University of Mosul
                  Mosul - Iraq
                  emadhanee@gmail.com
                  http://emadhani.blogspot.com/
Tel :           +964 (0)770 164 93 74
                 

د. خالد السلطاني
مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون


يكمل المعمار العراقي " رفعة الجادرجي " ( 1926 ) في هذا العام ( 2006 ) ثمانين سنة من عمره المديد . ادناه مقال / تحية لمناسبة ثمانينيته .

هل بمقدور مفردات مقننة ومحددة ان تعبّر بوضوح ورمزية عن منجز معمار ما ؟
- نعتقد ذلك ؛ وفي حال منجز رفعة الجادرجي يتطلب الامر محض مفردتين لا غير ، وهما : الحداثة وتمثيلها ؛ التمثيل التائق للتعبير عن الحداثة باسلوب خاص ومتفرد ، كان دوما مترعا بحضور روح المكان ، او ما يدعوها هو بـ " الاقلمة " ، وهاتان المفردتان كافيتان ، فيما نعتقد ، لاضاءة مقاربة هذا المعمار المجدّ بكل سيرورتها المبدعة وتنقلاتها الاسلوبية المفاجئة . ثمة ، اذن ، حضور طاغ ٍ للحداثة في منجز المعمار العراقي المعروف ، حضور يزيده ترسيخا ً في المشهد المعماري المحلي والاقليمي نوعية ثقافة المعمار الرصينة ، المتابعة ، بجد ، لحراك التجديدات " الافنغاردوية " في الممارسة المهنية العالمية ، القادرة على حسن الاختيار والمؤهلة للانتقاءات الطليعية !


تتيح ثمانينية المعمار فرصة مواتية " آخرى " لقراءة منجز رفعة الجادرجي المعماري ؛ واشارتنا الى القراءة " الاخرى " زعما ً منا بانها ستكون مختلفة عن سابقاتها التى تعاطت مع منجز تلك العمارة ، اذ انها لا تنطلق من ذات المفاهيم نفسها التى تناولت بها ، شخصيا ، عمارة الجادرجي في مقالات سابقة ، وفي الاخص مقالتي / التحية بمناسبة < سبعينيته > ، قبل ما ينهاز العقد من السنين . ومثل هذه القراءة المنشودة قد تساعدنا في تفكيك " مفرداتها " آليات النقد الحديث المتاحة الان على نطاق واسع لدى الناقد .. والمتلقي معا ً . وبديهي ان مثل تلك الآليات لم تكن شائعة سابقا ًفي ادبيات النقد المعماري ، الاقليمي منها على وجه التحديد ؛ فالممارسة النقدية يومذاك استقت معاييرها من مرجعيات مخالفة ؛ انتجت " قراءاتها " المتنوعة ، والتى ظلت في عمومها اسيرة المعنى الاحادي " للنص " المعماري . بيد اننا وبسب نوعية المناسبة الاحتفالية وطبيعة المقال ، يتعين علينا الاقرار طوعا ً ، باننا سوف لا نذهب بعيدا في " التماهي " مع استراتيجات تلك الآليات ، تماهٍ ، يجيز لنا قراءة عمارة رفعة الجادرجي ، حتى من دون الحاجة الى احالات مستمرة وملموسة للمنجز الجادرجي ، كما توفرها على سبيل المثال ، المقاربة التفكيكية ، والتى منها سنستمد الشئ الكثير من تقنياتها النقدية كما هو الحال في اعتمادنا ايضا على تقنيات اخرى تعود الى مقاربات نقدية متنوعة. بمعنى آخر ، سنحاول عبر نماذج لتصاميم مبنية ومشيدة و " مسكونة " مستلة من خزين المنجز المعماري الجادرجي ، الاشتغال على " قراءة " نتوق ان تلامس بخصوصيتها آليات نقد ذات مرجعيات متعددة ، طامحين وراء ذلك مزيدا ً من اضاءة المعنى " للاثر " المرصود . وتأسيسا على ذلك فستكون هناك احالات ، واحالات كثيرة الى تصاميم رفعة الجادرجي والى معمارين آخرين ، نتوخى منها التذكير بمنجز المعمار من ناحية ، ومن ناحية اخرى ، تسهيل ادراك واستيعاب طبيعة مقاربتنا النقدية .


يمكن بسهولة رسم متوازيات بين منجز عمارة الجادرجي ومنتج عمارة الحداثة ؛ ووجود هذه المتوازيات ' في اعتقادنا ، ليست رهنا ً بمثال تصميمي واحد اوبمجموعة تصاميم من اعمال الجادرجي والممارسة العالمية ، انها ، في رأينا ، تغطي امتداد عموم الممارسة المهنية الشاملة للمعمار بدءا ً من منـتصف الخمسينـات < حيث بدأ نشاطه المهني بعد ان انهى تعليمه المعماري من مدرسة همرسميث للفنون والاعمال بلندن / المملكة المتحدة ( 1946-52 ) > وحتى نهاية السبعينات عندما اضطر الى ايقاف نشاطه المعماري اثر سجنه ، بدواعي تلفيقات كيدية افتعلها النظام الديكتاتوري التوتاليتاري البغيض . لقد ساهم في حضور هذه المتوازيات وساعد في ترسيخها اولا بالمشهد المعماري المحلي ، ليس فقط قناعات المعمار الشاب التى بدأت تتشكل مهنيا ً ، وانما ، ايضا ً ، بباعث خصوصية واقع البيئة الابداعية لعراق الخمسينات ، الحافلة يومذاك في ارهاصات التجديد والتغيير . كما ان تلازم ، وتزامن سببين آخرين نراهما مؤثرين ، عملا من ناحيتهما على سرعة تقبل واستيعاب نزعات الحداثة الى يتوق اليها المعمار الطموح . واول هذين السببين هو توافق وجود مجموعة من المعماريين المجددّين العاملين بالعراق مثل " فيليب هيرست " و" عبد الله احسان كامل " و " الين جودت الايوبي " و " ايغور بلاتينوف " وغيرهم ، والسبب الآخر النهايات الحتمية لمديات المسار المعماري الاول ، المؤسس للعمارة العراقية الحديثة ، والذي استنفذت طاقته الابداعية تماما بسلسلة من المباني ذات التكوينات " الكلاسيكية " ، فضلا على غياب مؤسسيه الاساسيين . بتعبير آخر ، ادت خصوصية عمارة الفترة الزمنية في بداية الخمسينات ، المنطوية على فراغ اسلوبي من جهة ، ووجود مجموعة مجددة مؤهلة لملء هذا الفراغ بمقاربات طليعية من جهة اخرى ، ادت الى تبني وقبول المشهد المعماري ، يومذاك ، لطروحات انساق التوازي مع تطبيقات الفكر المعماري العالمي .
واذ نشير الى حضور اطروحة التوازي ، فاننا نشير في الوقت عينه ومن خلالها الى الدور التجديدي الذي اضطلع به الجادرجي في مهمام تكريس قيم الحداثة في المشهد المعماري المحلي والاقليمي عبرنماذج مبنية ، وما اعقب ذلك من تغيير طرأ على الذائقة الفنية . لقد اراد المعمار التأكيد على ان عمارة الحداثة لم تعد حكرا ً على مستنبطيها الاوائل ، كما انها لا تنتمى بالضرورة الى بيئة جغرافية محددة ، وانما هي بمثابة فكر تجديدي متاح للجميع ، وعلى المعمار المجد ّ تقع مسؤولية تطويع تلك الافكار وقيمها بحيث تكون متساوقة مع خصوصية اشتراطات المكان ، المكان المحدد الذي يعمل به وله . وتجدر الاشارة ، بان تلك الفعالية التى دأب المعمار على ترسيخ قيمها في الممارسة المهنية ، يتعين ادراكها كنوع من محاولات تهشيم " التمركز " المعرفي ، وليس الى التماهي مع " المركزية الاوربية " ، كما فهم ذلك اصحاب " المركزيات " الخاصة ، المتغذية من مرويات الذات المتوهمة بوهم التعالي والتمايز ، والمتبجحين بدعوات اقصاء الاخر ، والمنادين بالقطيعـة معه ، وتعتيم نجاحاتـه الابستمولوجية .


يمكن اعتبار اسلوب توزيع الفراغات في تكوينات التصاميم المنفذة من قبل رفعة الجادرجي في اوائل مراحل مساره المهني حدثا معماريا مهما انطوى على تغيير رديكالي ، ميزه عن ما كان متبعا ً وشائعا ً في الممارسة المهنية العراقية ، اذ عد ذلك الاسلوب صنوا ً ومرادفا ً لما وصلت اليه عمارة الحداثة من انجازات اسلوبية في حقل الممارسة التطبيقية . فعمارة " بناية الجوربه جي " في شارع الشيخ عمر ببغداد ( 1953 ) المتسمة شرفاتها على ارتفاعات مزدوجة ،على سبيل المثال ، وكذلك عمارة " دار كتخدا " عند ساحة الفردوس ببغداد ايضا ( 1959 ) ، استمدا طريقة توزيع احيازهما من مرجعية تصميمية غير معتادة وغير معروفة في النشاط المهني المحلي ؛ ذلك لان حضورعمارتهما في المشهد المعماري المحلي اريد به التذكير مرة اخرى بان قيم الحداثة ، الحداثة المعمارية بالطبع ، يمكن لها ان تستوطن بسهولة وواقعية في بيئات جغرافية وثقافية متنوعة . على ان المتتبع المهني بامكانه رصد المرجع الذي يستقي المعمار منه افكاره المعمارية ، بل ويمكن احالة فكرتهما التصميمية الى اعمال " لو كوربوزيه " المعروفة وتحديدا ً : مجمع " الوحدة السكنية " في مرسيليا ( 1948 ) فيما يخص المبنى الاول ، و" فيلا سافوي " في بواسي ، بضواحي باريس ( 1929 ) للمبنى الثاني . من الناحية المهنية لا نجد اية غضاضة في مثل هذه الممارسة المهنية ؛ ذلك لان النزوع الابداعي نحو الحداثة ، يعمل على توحيد المرجعيات التصميمية ، ويجعل من نماذج الممارسة المبنية ، نماذج تتسم على تشابهات " فورماتية " مؤثرة ...ومتأثرة ؛ هذا فضلا من ان القراءة " التناصية " النقدية المعاصرة تجيز للمبدع ان يكون نصه الابداعي " نسيجا ً من اقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة " ؛ اي ان يكون نصه صدى لنصوص آخرى متداخلة فيه ومكونه له ، تماما كما يشير الى ذلك " رولان بارت " من ان < كل نص هو تناص مصنوع من نصوص اخرى موجودة فيه > .

واذ كان التوزيع الفراغي الحداثي الكامن في التكوينات التصميمية المنجزة ، قد شكل ّ نبرة جديدة في الخطاب المعماري المحلي ، فان اهتمامات المعمار الجريئة الخاصة بايجاد حلول غير مسبوقة لاشكالية موضوعة المناخ السائد في المنطقة ، وتأثيرات تلك الحلول في اغناء طرائق معالجة الواجهات تظل ، في رأينا ، تمثل اضافة كبيرة واساسية في منجز عمارة الجادرجي . ومرة اخرى ، تحضر اطروحة التوازي بين منتج عمارته و راهنية تطبيقات العمارة العالمية وقتذاك ، واهتماماتها الزائدة في تلك " الثيمة " – ثيمة المعالجات المناخية وانعكاساتها على الصياغات الفنية للواجهات . فمنذ حدث مبنى " وزارة المعارف والصحة " في " ريو دي جانيرو " بالبرازيل ( 1939-1945 ) < المعماريان : اوسكار نماير ولوسيو كوستا باستشارة من لو كوربوزيه > ، المنطوية واجهاتها لاول مرة على حضور كثيف لمنظومة كاسرات الشمس ، والمحاكية لاسلوب واجهة مشروع سابق < لم ينفذ > هو " مبنى متعدد الطوابق " في الجزائر ( 1938) ( المعمار : لو كوربوزيه نفسه ) ، منذ ذلك الحين انهمكت الممارسة المعمارية العالمية في مهام ايجاد تشكيلات متعددة لتلك الموضوعة التى ابتدعها المعمار الفرنسي الشهير ، والتى اضاف بهاً لمعجم تكوينات عمارة الحداثة مفردة مؤثرة ، امست تنويعاتها الاسلوبية موضوعا ً اثيرا لدى مصممي الخمسينات بشكل عام ، والعمارة المبنية بمناطق عديدة من آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بشكل خاص . ويستحضر في هذا الشأن مبنى < عبد اللطيف الحمد > بشارع السموأل ببغداد ( 1955 ) < الذي ازيل في وقت سابق > ومبنى " ادفيش عبود " بالشورجة (1955-56) < بالاشتراك مع عبد الله احسان كامل > ، بالاضافة الى مبنى " بير داود " المتعدد الطوابق بمنطقة الميدان في بغداد ( 1954 ) ، وغير ذلك من المباني المصممة من قبل المعمار بمفرده او بالاشتراك مع آخرين ، التى بات " اميجها " الشكلي حاضرا ً في ذاكرة الكثيرين ، " الاميج " المتولد عن كيفية معالجة اسلوب واجهات تلك المباني ، المعتمدة كثيرا على حضور تنويعاـت " كاسـرات الشمس " فيها كمفردة تصميمة ، وكوسيلة وظيفية / نفعية للتقليل من سلبيات المناخ السائد ، في آن معا ً .

خلال السبعينات وبعض سنين الستينات ، انهمك الجادرجي في الاشتغال على ثيمة المعالجات المناخية مجددا ً ، باساليب مغايرة لتلك المعالجات التى وسمت نشاطه التصميمي في الخمسينات ، متوخيا ً ان تكون تقصياته الاسلوبية في هذا المجال بمثابة " ضربة " التكوين واساس الحل التصميمي لمشاريع عديدة انجزت ابان تلك الفترة . فلم تعد تشكل مهام ترسيخ الاساليب الحداثية في التكوينات المصممة وجديد طرق توزيعاتها الحيزّية ، امرا تصميما مثيرا ؛ ذلك لان هذه المهمة امست مهمة عادية وشائعة في الممارسة المهنية المحلية فضلا على تقبلها والاشتغال عليها من قبل زملاءه المعمارين العراقين الاخرين.
لقد وجد رفعة الجادرجي في موضوع التماهي تصميميا مع المشكل المناخي فرصة سانحة لترسيخ مقاربته التصميمية في الخطاب المعماري الاقليمي ، وارساء خصوصيتها وتميزها عن النهج الابداعي لمجايليه . اذ انطوت فعالية الاهتمامات المناخية ، في الفترة التى نتكلم عنها ، بالنأي بعيدا عن استخدام وحدة تشكيلية رئيسية ومن ثم اللجوء الى تكرارها لتحقيق مهام صياغة الواجهات كما شاع سابقا ، وانما الاتكاء على اساليب بديلة توفرها تبعات الحرية الواسعة لطريقة رسم تلك الواجهات بتشكيلات فنية استثنائية . وتناوب ذلك الاشتغال من اسلوب " مبنى داخل مبنى " ، وفقا ً لتعبير " لويس كان " ، الى مفهوم حضور الجدار المتكسر ، الذي ارتؤي ان يكون ذا مهام وظيفية وجمالية ً في آن ، الى ولع تغيير " فورمات " الوحدة المكررة افقيا ً وعموديا ً والمتزامنة دوما بهاجس التوق الدائم في تغيير المقياس ، طمعا في حضور " المسألة " المناخية حضورا مؤكدا ً في التصاميم المنجزة من قبله وقتذاك .
تزامن الاشتغال على" الثيمة " المناخية لدى الجادرجي ، مع نشاط محموم لتقصيات اسلوبية اجراها معماريون حداثيون عالميون ، تبرموا كثيرا من " طغيان " اسلوب " ميس فان ديرّ رو " العقلاني ، المنطوي على اختزالات قاسية حدّ التقشف للفورم المعماري. الامر الذي ساهم في حضور مقاربات معمارية سعت الى تفكيك النهج " الميسوي " ، والتصدي لدحض صدقية مرجعياته الفكرية التى يستند اليها ، بالاضافة الى الابتعاد عن ممارسة توظيف ثقنيات ذلك النهج واستخدام عناصره التكوينية . واكتست مداخلات المعمار " لويس كان " Louis Kahn ( 1901-74 ) في هذا الشأن اهمية فائقة في مسعاها لاستيلاد خطاب معماري مغاير ، خطاب يعتمد على التمييز بين الفورم < الشكل > ، والتصميم ؛ فـ " الفورم " Form ، وفقا ً لـ " كان " ، هي الماهية الملازمة للشئ وهي صلب الجوهر الكلي والشامل له ؛ في حين ، " التصميم " Design هو اداة ربط ذلك الشكل بالزمان والمكان ؛ بتعبير آخر ، يظل الشكل – عند " كان " – حالة باقية وخالدة ، لا سلطان للزمان عليه ، اما " التصميم " فانه حالة مرتهنة بزمانها . وفي تعاطيه مع الموضوعة المناخية ، واستنادا الى تلك المفاهيم ، شرع " كان " في تحرير واجهات المباني و " فك ارتباطها " من حتمية ملازمة الصياغات الفنية لها بتكرار الوحدة القياسية المؤلفة لمنظومة كاسرات الشمس ؛ الامر الذي افضى الى خلق " واجهة " اخرى ، تعبيرا عن "الفورم " < الكانوي > ( نسبة الى لويس كان )، فاسحا المجال لفعالية " التصميم " < الكانوي .. ايضا > انجاز مهماتها بالاسلوب التشكيلي المتساوق مع الذائقة الفنية المحلية والمتصادي مع راهنية التصورات الجمعية عن مفهوم الجمال ! . في تطبيقاته التصميمية تجسيداً لفرضيته تلك ، ادهش " كان " المجتمع المعماري العالمي بنماذج مبنية في مدن واقعة في بنغلادش والهند مثل مجمع دكا الحكومي ( 1962-83 ) ومباني احمد آباد التعليمية ( 1962- 74 ) وقبلهما مشروعه لتصميم القنصلية الامريكية في لاوندا بانغولا ( 1959-61 ) ، وغير ذلك من المشاريع . في جميع تلك التصاميم كان مفهوم " مبنى داخل مبنى " حاضرا بقوة ؛ مما اتاح للمعمار امكانية تشكيل الواجهات بمعزل عن الاشتراطات الوظيفية لاحياز المبنى ، مستعيدا في الوقت ذاته ، شعور الاحساس " بمادية " العناصر التكوينية و" ثقلها " ، اللتين فقدتهما بدواعي الخفة والشفافية و" ذوبان " العناصرالمادية في البيئة المحيطة ، كما كانت تتطلع الذائقة الجمالية وقتذاك .
تبدو " الاطروحة " الجادرجية المعتمدة في بعض مرتكزاتها على " اختلاق " جدار آخر ، لواجهة " ثانية " ، تبدوا تنويعا جادا ً لتلك المفاهيم التى شاعت في الستينات ، والمتأثرة كثيرا بطروحات " لويس كان " . ففي مبانٍ عديدة مثل مبنى " اتحاد الصناعات العراقي " ببغداد ( 1966 ) ، ومبنى " شركة التأمين الوطنية " في الموصل ( 1966 ) ، ومبنى " فرع مصرف الرافدين " ببغداد ( 1967 ) ، و" عمارة الشيخ خليفة " في المنامة / البحرين ( 1969 ) ، و مجمع " مجلس الوزراء " ببغداد ( 1975 ) بالاضافة الى مشاريع تصاميم لم تنفذ مثل مبنى " القصر الجمهوري " ببغداد ( 1967 ) ، و" المصرف الوطني " في ابو ظبي ( 1970 )، و " مجلس الامة " في الكويت ( 1972 ) ، و " المبنى الاداري " في دبي ( 1975 ) ، وغير ذلك من المشاريع المنفذة وغير المنفذة ، يحضر في جميعها مفهوم : مبنى داخل مبنى " الكانوي " ذائع الصيت حضورا ً بليغا في تكويناتها . بيد ان معالجات الجدار " الاخر " المؤسس للواجهة " الثانية " في جميع تلك المشاريع مشغول هنا ، باستدعاءات هيئاتية متنوعة، مستلة من مصادر " فورمات " البيئة المبنية المحلية ، ويراد بها ابراز تعاطف المعمار مع خصوصية شواهد المكان . ولم يكن اسلوب انشاء " جدار آخر" هو الاسلوب الوحيد الذي تعاطى معه الجادرجي في ايجاد حل للمشكل المناخي . فثمة تصاميم عديدة انجزت بالتزامن مع اطروحة الجدار الاخر ، ومعظم تلك التصاميم كانت تستحضر بفورماتها الاسلوبية ما كان يدور داخل ورشة الممارسة المعمارية العالمية ، والتى ظل رفعة الجادرجي احد متابعيها المجدين .


ارتبط اسم رفعة الجادرجي كمصمم لمشروعين بارزين ، اريد بهما تخليد حدث ثورة 14 تموز 1958 بالعراق ، وهما مشروعا " الجندي المجهول " في ساحة الفردوس ببغداد ، و" نصب الحرية " عند " حديقة الامة " في الباب الشرقي بالعاصمة العراقية ، اللذان تما تصميمهما وتنفيذهما بوقت قياسي : يوم عمل واحد للتصميم ، وفقا لاعتراف المعمار ذاته ( انظر : الاخيضر والقصر البلوري ، ص 94 ) وستة اشهر ونيف للتنفيذ ، وافتتحا رسميا في احتفالات الذكرى الاولي للثورة في 14 تموز 1959 . لا تتيح طبيعة المقال الحالية التوقف طويلا لقراءة منجزهما المعماري ، لكننا مع هذا ، نود الاشارة بان نصب " الجندي المجهول " ذا الشكل المعبر، والصافي ، والمختزل ، والجميل ، والانيق .. والبسيط ارتبط في ذاكرة ناس كثيرين كنصب مجيد لتعظيم تلك الاحداث التي عُـوّل الكثيرون عليها في تحقيق مستقبل زاهر للعراق والى اهل العراق ؛ لكنه بدلاً من ان يذكـّر بمأثرة الجنود المجهولين الذين لا يعرف العراقيون عن مآثرهم المنجزة كثيرا ، بات النصب بهيئتة المميزة وطبيعة موقعه التى تتيح للجميع سهولة رؤيته والوصول اليه ، بات يثير استذكارات واستحضارات دائمية عن الوعود غير المنفذة والامال غير المتحققة التى واكبت ذلك الحدث الكبير الذي هّز اهل البلاد وبدل تصوراتهم عن معنى الوطن وعن قيمة مواطنيه ! . بيد ان النظام البعثي التوتاليتاري البائد الذي وجد في نصب " الجندي المجهول " في ساحة الفردوس ، منبعا ً لثقافة تؤسس لطرح تساؤلات مماثلة ومشروعة ، ورأى فيه تماهيا ً لآمال في تغيير مرتجى ، سارع على عجل في احد ايام وليالي سنة 1982 الى هدمه وازالته تماما . وتستحضر واقعة ازالة نصب الجندي المجهول ، كنوع من ممارسة فجة ما انفكت رائجة في سلوكية التعاطي مع الاثار المعمارية المميزة ، تستحضر مقولة الجادرجي نفسه في هذا الشأن ، التى نراها منصفة وصائبة في آن ، يقول المعمار : " .. انني أؤمن بأن البناء الحضاري يؤلف النصف الأول في عملية الإنجاز، وأن النصف الثاني، وربما الأهم، هو صيانته والحفاظ عليه باعتباره من ذاكرة المجتمع وامتداداً لهذه الذاكرة في الزمن. واعتقد أن الشعب الذي لا يتمكن من صيانة إبداعه، هو شعب لا يمتلك ذاكرة يسخرها في المزيد من البناء الحضاري، بل لا يعي بأن الذاكرة هي أساس في تكوين وجدان المجتمع " .

ادرك رفعة الجادرجي مبكرا ً بان النشاط المعماري المميّز يستقيم جيدا بالعمل الجماعي ، العمل الناتج عن جهد معماريين عددين ، وبمشاركة اختصاصات هندسية متنوعة ؛ فسعى مع رفاقه : المعمار عبد الله احسان كامل ، والمهندس احسان شيرزاد والانشائي ارتين ليفون الى تأسيس " المكتب الاستشاري العراقي " في بداية الخمسينات ، مرسين بذلك تقليدا جديدا في الممارسة المهنية المحلية . وظل المكتب يرفد الحركة المعمارية العراقية على امتداد عقدين ونيف بنماذج تصميمية ، شكل حضورها الفريد حيزا ً اساسيا من حركة الابداع المعماري العراقي ، لقد ساهم في في انجاز وتحقيق التصاميم التى اشرنا الي بعض ٍ منها في هذا المقال ، معماريون كثيرون ، عملوا مع رفعة الجادرجي وكانت مداخلاتهم التصميمية سببا في ايصال الفكرة المعمارية الى مستويات مهنية رفيعة من الاتقان والجمالية . لا اعرف مصيرهم المهني والشخصي واين هم الان مقيمون ، رغم ان بعضا منهم اصدقائي ومعارفي وحتى .. طلابي ، < كما لا اعرف ، بالمناسبة ، شيئا عن رفعة الجادرجي ذاته ، فقد انقطت اخباره عني ، منذ ان التقينا اخر مرة ( 1997 ) في عمان بالاردن لمناقشة صدور كتابه " حوار في بنيوية الفن والعمارة " > ؛ فالديكتاتورية عملت عملها بامتياز في تشتيتنا وتغريبنا ! . لكن التذكير ببعض اسماء اؤلئك المصممين ولو على عجل ، سيضفي مسحة امتنان لجهدهم المميّز في لحظة احتفاء بثمانينة زميلهم ، واستاذهم ، وقدوتهم التصميمية . انهم ، من دون دلالة خاصة في الترتيب : معاذ الالوسي ووجدان نعمان ماهر وسعد الزبيدي وعوف عبد الرحمن ومازن كمونة ، واتيلا ضياء الدين وخاجاك كره بيت وسامان اسعد وفارس نامق ونبيل الطويل وندى الزبوني وعلى بربوتي ومظفر الياموري وغيرهم من المعماريين المجدين .
قد يرى البعض دعوتنا للاحتفاء بثمانينية المعمار العراقي المعروف ، والمنظر المعماري وصاحب المؤلفات الكتابية العديدة ، قد يرى فيها دعوة غير مواتية ، ومناسبة في غير محلها ، بسبب وقع دوامة العنف والارهاب واحداث الموت المجاني المستشرية الان في ربوع وادي الرافدين ، لكننا نعتقد ، بان دعوتنا للاحتفاء بمفكري العراق ، هو رد طبيعي على الاعمال المشينة والشنيعة التى يقوم بها الارهابيون ، الذين لم يألوا جهدا و" جهادا ً" مشبوهين في اطفاء شعلة الثقافة الرفيعة التى تستمد شعاعها المضئ من الخزين الابداعي لمفكري العراق ، واحد هؤلاء : رفعة الجادرجي – المعمار الذي ساهم بجد ، تصميما وتنظيرا ، في تحديث البيئة المبنية في وطنه وفي جواره ، مناشدين الجميع الاحتفاء بثمانينيته ، عرفانا بجهده الممّيز، وتقديرا لابداعه الخلاق .

..

د . خالد السلطاني
معمار واكاديمي
------------

الحداثة اولا ... الحداثة دائما

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق