الأحد، 4 سبتمبر، 2011

التخطيط العمراني المعاصر و مدرسة الكوفة العمرية !


التخطيط العمراني المعاصر و مدرسة الكوفة العمرية !
| 03 آذار/مارس 2011
د/مصطفى بن حموش
أستاذ مشارك بجامعة البحرين
حينما عزم المسلمون على بناء مدينة الكوفة سنة 17هـ_623م لتكون نقطة عبور نحو فارس، جاءت الأوامر  الاستراتيجية لتخطيطها من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (ض). و رغم كون العرب آنذاك أقرب للبداوة من الحضارة و التخطيط الحضري فإن استحضار قصة بنائها من خلال   كتاب ابن جرير الطبري -تاريخ الأمم والملوك- يدعو إلى الدهشة في مستوى نضجها الذي يقدم الدروس لكليات التخطيط في جامعاتنا المعاصرة[1].
تخطيط مركز المدينة
فقد أمر القائد بتحديد صحن المدينة، الذي سيكون فيما بعد مركز المدينة. و قد صاحب ذلك الحدث  إرهاصات كبيرة حول اختيار الموقع استجابة لشروط الحياة من جهة و للدواعي الأمنية و الاستراتيجية الحربية من جهة أخرى. و قد تمّ تحديد مساحة مركز المدينة بطريقة رمي الرمح أو السهم التي تبقى غامضة حمل الراوي معه سرّها. لكن ما يهمّنا هنا هو تحديد مركز المدينة المستقبلي و تجسيده ببناء المسجد و دار الإمارة في الوسط و بالتزامن.

و قد تكررت الحادثة في الكثير من المدن التي جاءت بعد الكوفة -مثل البصرة و الفسطاط و القيروان-  في كون هذين المرفقين بقيا متلازمين إلى نهاية الحكم الإسلامي العثماني. فالمسجد و دار الإمارة اللذان يتوسطان صحن المدينة الذي سيتحول  بدوره إلى السوق المفتوحة للمسلمين عناصر  تشع بالدروس المفيدة للتخطيط المعاصر. إن المسجد هو الذي يعطي الهوية الإسلامية للمدينة سواء عن طريق المئذنة التي تصبح منارة الاهتداء بالمعنى البصري و الروحي، أو المركزية الهندسية التي تتوسط الحياة الحضرية للمجتمع المسلم و ترتب الحياة المدنية وفق أوقات الآذان والصلاة.
أما تجاور المسجد بدار الإمارة فهي الدرس الآخر في تلازم السياسة و الدين و عدم انفصالهما عن بعضهما. لقد قام الحاكم الأول آنذاك سعد بن أبي وقاص ببناء باب لنفسه، و سرعان ما جاءه الرسول من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (ض) مأمورا بحرق ذلك الباب الذي سيحجبه عن رعيته و يمنع الضعيف من الوصول إليه. إن الدرس الواضح في هذه الحادثة بلغة عصرنا هو محاربة البيروقراطية و التخفيف من الإجراءات الإدارية التي عرفت في ذلك العهد في أولى نشأتها باسم الحجابة. فبدواعي أمن الحاكم و تنظيم الإدارة كثيرا ما يتحول الوصول إلى مركز الحكم إلى حلم بالنسبة للمواطن البسيط بسبب استحالته، كما كان حال بغداد الدائرية التي صممت مداخلها في شكل أربعة بوابات متتالية و مراقبة بشكل صارم.
لقد تلازم المسجد و دار الإمارة طيلة القرون الأولى للإسلام و هو ما يعكس تلازم القرءان والسلطان و العمران. لكنه سرعان ما أصبح الولاة و الحكام ينأون بأنفسهم عن المجتمعات التي يحكمونها سواء بدواعي الأمن و خوفا من الاغتيالات التي حدثت بالفعل، أو بدوافع الحياة الفردية و بحبوحة العيش، أو لتوسيع نفوذ الجيوش و الحاشية و الإدارة،   كما حدث في مدينتي بغداد الدائرية أو الزهراء بالأندلس، التي بنيت على مقاس الحاكم و حاشيته منزوية بذلك عن المجتمع.
و من متطلبات  المركز الحضري الجديد آنذاك حفظ الأموال العامة و توزيعها بالعدل و الحكم بين الناس في الأقضية اليومية التي تتطلب رأي الشرع و توفير مكان للنشاطين الاقتصادي و الاجتماعي و حتى السياسي. إن من أهم دروس الكوفة العمرية التخطيطية أن يبقى مركز الحكم و القضاء و توزيع الثروات مفتوحا على المجتمع مما يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و الشفافية في توزيع الثروات و تحجيم سلطات الحاكم بما تمليه السياسة الشرعية.
لقد ارتبط المسجد الجامع بالأسواق كذلك حيث كانت تحيط به من كل جانب. إنه درس آخر تقدّمه الكوفة العمرية  مفتتحة بذلك عصرا يتلازم فيه الدين و الدنيا و تترابط فيه القيم الروحية بالقيم المادية. فقد كانت الأسواق و لا تزال في فاس بالمغرب و في دمشق مثلا تحيط بالمسجد الجامع إحاطة السوار بالمعصم. ففي اللحظة التي يفتح الزبون القماش ليشتريه أو يساوم التاجر في ثمنه يعلو صوت الآذان بينهما ليذكرهما بحقيقة الدنيا في ميزان الآخرة. إن الإسلام جاء ليمزج الدنيا بالدين فيمنع الرهبانية التي تفصل العبّاد عن المجتمع و يخرج الدين من الطقوسية إلى العبادة الواسعة، كما أنه  يهذب التجار و الأغنياء الذين يتحكمون في السوق و يضبط  أخلاقهم لتكون مسجدية و عمرية دوما. و مع ما يوجد من تصادم بين الوظيفتين –المسجد والسوق- من متطلبات إذ الأولى تقتضي الصمت و الهدوء، و الثانية الصخب والضجيج فقد جاءت مؤسسة الحسبة لتضبط ترتيب الأسواق فتضع الأنشطة و الحرف الصناعية غير المزعجة والغالية مثل الجواهرجية و الحرّارين والشماعين و النساخين بقرب المسجد، و تدفع الأنشطة المزعجة إلى خارج الدائرة الأولى أو خارج أسوار المدينة مثلما هو حال الحدادين و الدباغين.
التخطيط التساهمي
مساهمة المواطن في التنمية العمرانية   Community participation         واضحة في هذه التجربة كذلك. و في هذا درس في الإسكان النوعي الذي كان يعتمد على الاستجابة للحاجة السكنية و يساعدهم في تحقيقها. فهم بلغتنا العصرية ليسوا أعدادا و حشودا صماء يجب الاستجابة لهم كميا. لقد احتفظت القبائل و العائلات بنسيجها الاجتماعي، و لم تكن بدافع تكريس القبلية كما يزعم البعض. و قد احتفظت القبائل بحريتها الذاتية في تنمية و إدارة أحيائها السكنية مما جعل إدارة المدينة فدرالية من الأحياء المستقلة نسبيا تتوزع حول الصحن المركزي للمدينة و تلتقي فيه. لم تكن السلطة تتدخل في أمور الأحياء السكنية إذ هي مسائل تخص ساكنيها، إلا في حالات الشكوى و النزاعات و هي استثناء في الحياة المدنية، حيث أن الناس يتعايشون رغم تضارب مصالحهم و تدافع أهوائهم، بالقليل من التعقل والإصلاح البيني. و هم يحققون حاجاتهم المشتركة للتعليم و دور العبادة و خدمات الماء و النظافة بالتنسيق فيما بينهم و مع الإدارة العامة أو الحاكم كما ظهر في المدن الأخرى.
بقول آخر، لم تبيّن تجربة الكوفة التدخل المباشر للسلطة العامة في تطور و تنمية الأحياء السكنية و بناء المباني السكنية لتؤسس  بذلك لما نعرفه حاليا باسم العمران الذاتي. لقد أوحى أمر الخليفة عمر تقسيم المدينة إلى قطاعين. فالمحيط السكني الذي انتظم في شكل  خِطط سيتشكل في المستقبل فيما يعرف بالأحياء السكنية، بينما يكون ذلك الصحن الحضري الذي شمل دار الإمارة و المسجد و بيت المال و السوق بالإضافة إلى شبكة الشوارع هو مجال القطاع العام. تفصيل الكلام عن تخطيط الشوارع الفاصلة بين الخطط و المؤدية إلى المركز و الشوارع الثانوية التي كانت تتعامد معها أو توازيها و كأنها الشبكة الداخلية للخطط و الصمت الهائل الذي يحيط بالسكن والبناء يبوح لنا بهذه المنهجية التخطيطية الهيكلية Structural planning. إن ذلك ما يدفعنا إلى القول بأن المدينة تشكلت من التعمير الأساسي أو الكبير من جهة و التعمير الصغير أو المتراكم الذي يلتصق بحياتهم و حاجاتهم اليومية. و بذلك فقد تحقق حلم التخطيط التساهمي الذي ينادي به العمران العصري. لم تتسلط الدولة على بناء سكن المواطن و تحديد تفاصيل غرفة نومه و مطبخ زوجته و لون غرف أولاده، ثم تتبجح وسائل الإعلام بما أفاضت عليه الدولة من خيرات على مواطنيها!
من البديهي أن تخضع تطورات الأحياء السكنية لضوابط إسلامية سلوكية و قواعد اجتماعية عرفية وذاتية متفق عليها بين السكان و التي انغرست بالفطرة في أذهان الأفراد،  و من ذلك حفظ حرمة الجيران و عدم التعدي على الحقوق العامة من شوارع و ساحات و الفصل بين الأولاد و البنات، و حفظ حقوق الضيوف و عدم الإسراف في البناء و عدم ا لتعلي لغير ضرورة و غيرها من القواعد العمرانية الإسلامية. و من الأكيد كذلك أن الأحياء لم تبن مرة واحدة وإنما خضعت لتراكمات تدريجية في استهلاك الفراغات و البحث عن أحسن الحلول للمشكلات  العمرانية و أخذ المشورة بين السكان. و لعل هذا الأمر هو روح ما وصل إليه العمران حاليا من التطور التراكمي Incremental process  بدل التصميم النهائي و الصارم لكل شيء منذ أول يوم من وضع التصاميم. إن ذلك يدعونا ببساطة نحن المخططون والمصممون الحضريون المعاصرون إلى التفكير في السؤال التالي: هل نحن حقا نستطيع أن نصمم مدنا أو مدينة بأكملها و نرهن مستقبلها بجرة أقلامنا أم أن عامل الزمن و الغيب يجب أن يأخذ مكانه في مهمتنا؟ ما هي نسبة الغيبية و الارتيابية في عملنا التخطيطي؟ و ما هي بالمقابل نسبة غطرستنا و أنانيتنا في تحقيق الأنا الهندسية و التخطيطية في تقرير مصير المدن و التبجح بتخطيطها و تصميمها و لو على حساب سكانها؟
التخطيط والغيب
عامل الزمن بعد مهم في عملية التخطيط. فهو كفيل بأن يعطي المدينة الوقت الكافي للنضج و التطور و يكفل لها الغيبية التي تخبؤها لها الأقدار. و لا يمكن بحال تحديد مستقبل المدينة كليا إذ أن عمر المدن يقاس بالقرون و ليس بقوة عقل المهندس القاصر الذي لا يتجاوز السنة و الخمس سنوات في أحسن الأحوال. إن التصميم التفصيلي للمدن أصبح موضة متجاوزة انتشرت في عصر الولع بالهندسة الديكارتية و التخطيط التفصيلي و القرارات السياسية الفوقية و القاطعة و هيمنة الدولة الطاغي و أجهزتها الثقيلة bureaucracy  على تطور المدن. لقد أصبحت المطالبة الآن من الإدارة العامة أن تهتم بالأمور الأساسية والكبرى مثل الشوارع و المرافق العامة و الأمن و العدالة، و لا تتعسف في التدخل في شؤون المواطن الخاصة طالما لم يمس الحق العام.
التخطيط و الأخلاق
تقدم كذلك مدرسة الكوفة العمرية درسا في دور السلطة العامة  في مراعاة السقف الأخلاقي الاجتماعي المتعلق بالعمران والبناء moral regulations الذي نفتقده الآن بسبب هيمنة التخطيط العلماني و النزعة المادية.  لقد أمر الخليفة الثاني بعد إلحاح الناس بالبناء بالحجر استبدالا للقصب الذي أتلفه الحريق، أن لا تزيد العائلة على ثلاثة أبيات، و  ألا يتطاولوا في البنيان، و  أن "يلزموا السنة لكي تلزمهم الدولة" كما يرويه الطبري و الماوردي. لماذا ثلاثة أبيات؟ إن ربطها بنصوص الشريعة يوحي أن البيت في غالبه يوفر الغرفة الرئيسية و أخريين لكل من الأبناء و البنات لضرورة الفصل بينهما. و لماذا الالتزام بالسنة لكي تستمر الدولة؟ إنها ببساطة تعني عدم فتح مجال المنافسة في البناء و التطاول و الإسراف في الإنفاق الذي يؤدي إلى الصراع المادي في المجتمع و طمس الحياة الروحية و الجماعية. و لذلك فإن مدرسة الكوفة توحي إلينا بأنه يمكن للدولة أن تضع ضوابط عمرانية للاستهلاك السكني و لاستعمال الأراضي و للتطاول في البنيان و العبثية المعمارية التي كثيرا ما تتغطى خلف ذريعة الإبداع بغية حفظ السلوك العام و لا تجعله عرضة لذلك التنافس المقيت واستفحال الطبقية الذي نعيشه يوميا في بلداننا التي تهدر طاقاتها في المباني والملذات. قد يعتقد الكثير أن العودة إلى التاريخ و إقحام الأخلاق من قبيل الحنين أو الغرق في  الماضي و الحلم بالمدينة الفاضلة، لكنه بالتأكيد لا يمكنه أن ينكر أنها تجسدت في مدرسة الكوفة العمرية و ارتبطت بانتشار الدين الإسلامي الذي وصل إلينا كما نزل.

[1] صاحب المقال خبير تخطيط زاول المهنة في الإمارات و قد تخرج من المعهد الفرنسي للتخطيط بجامعة باريس الثامنة، التي اشتهر أساتذتها بالتنظير للمدن الجديدة بفرنسا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق