السبت، 1 أكتوبر، 2011

بغداد... ارث حضاري .. وواقع غريب


بغداد... ارث حضاري .. وواقع غريب

بغداد... ارث حضاري .. وواقع غريب
تعكس العمارة والتراث أيا كانت حدودهما المكانية والزمانية القيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجمالية لأي مجتمع في العالم وفق هذا يصف المعماري العراقي الجليل رفعت الجاد رجي " بان التراث هو الرصيد والمخزون المتميز الذي يتميز بالثبات والاستمرارية معا وبين القيمة الروحية والجمالية بالإضافة إلى كونه حقيقة مادية ملموسة فرضت قبولها واحترامها لكونها تسجيلا صادقا لثقافة المجتمع ووحدة منهجه وملامحه الإنسانية والفكرية عبر الفصول فهو تطبيق عن أسلوب ومنهج للتعامل مع المحيط وضواغط الماديات خلال فترات متابينةالظروف وبالتالي هو ضرورية اجتماعية وحضارية "ولكن الإرث الذي ورثناه حول العمارة العراقية قد حول العمارة والتخطيط العمراني لمجرد عملية تشييدلاترتبط بالثقافة المحلية فالرؤية والنظريات والرموز التي قام عليها هذا التطور كان غريبا عن المجتمع العراقي .
إذ إن نقل التصاميم الغربية كانت تركز على النواحي الفنية والمادية دون الالتصاق بالبيئة العمرانية التي تتضمن أشياء كثيرة لايمكن التغاضي عنها فهي ليست مجرد تعبيد طرق أو إعمال خدمية أو إفرازات حديثة وإضفاء بنية تحتية متعددة الإغراض .
هناك فجوة أو مفارقة في مجال البيئة العمرانية العربية عامة، والعراقية خاصة بين قيم الفكر وبين تحوّلات العصر لم يسلط الضوء عليها ولم تشخص بصورة واضحة وشاملة ودقيقة. أو يمكن القول أن هناك إشكالية أو أزمة في التلاقي بين الثابت والمتغير أو الفكر والواقع في بيئتنا العمرانية العربية بعامة والعراقية بخاصة. فنحن ندعو إلى الحفاظ على خصوصيتنا (أو هويتنا) من جهة، والانخراط مع روحية العصر من جهة أخرى. هذا على المستوى التنظيري.إما على مستوى التطبيق فإن هناك تشخيصا عاما في الأوساط الأكاديمية والمهنية بكون النتاج المعاصر هو خليط عشوائي لا يرتقي إلى مستوى الإبداع والتجديد ، فليس هناك تصور واضح وشامل ودقيق للضوابط والآليات التي يجب أن تسير عليها الممارسة المهنية في مجال البيئة العمرانية في العالم العربي عموماً والعراق خصوصاً .....(.د. محمد صباح الشابندر ..معماري عراقي ) 
شناشيل مدينة بغداد القديمة والحنين للحس الاجتماعي والألفة......المفقودة اليوم ...لماذا؟؟؟؟؟؟
إن العمارة والعمران يشكلان المحيط البيئي الذي ينتمي إليه الانسان العربي ، والذي يحتوي وينظم كافة فعالياته الحياتية ،وكلما كان ارتباط الفرد العربي بمحيطه البيئي أقوى وأعمق كانت قدرته على الابتكار الخلاّق في معالجة مشاكله وصياغة مستقبله بما يناسب تطلعاته وتصوراته أجدى وأنجع (..سامر عكاش..احد المعماريين العرب )
فتحديث الحياة الحضرية لاتتشكل بمجرد إضفاء تلك الطرز البنائية بل الأهم من ذلك هو التماسك والتفاعل بين الإحداث الاجتماعية والثقافية التي تحكم حياة المجتمع وحاجاته المتنوعة وتعبيره عن الحاوي والمحتوى في تلك الإحداث وهذا النسيج يظل قائما طالما إن هناك صلة بين الإحداث الاجتماعية وأسلوب التعبير الفراغي عنها فإذا كان المجتمع مجتمعا صحيا لاتجد تعارض بين النواحي المادية والتنظيمية وبين النواحي الثقافية للمدينة التي يعيش فيها المجتمع .
وان كانت هناك محاولات في أوقات معينة تهدف لإحياء بعض رموز التراث القديم بمدينة بغداد وخاصة في بعض إحياءها الإسلامية ، لكنها لم تتعدى الشق المادي وهنا نتذكر بعض ملامح وسمات بعض مناطق الكاظمية والاعظمية وباب الشيخ والتي تميزت بها كالأزقة الملتوية والفضوات والشناشيل والقباب لكن من الخطأ تحديد المدينة في إطار تلك القوالب فقط كما يفعل الكثيرون اليوم .
فالمدينة الإسلامية تبنت العديد من العناصر المعمارية المبنية على تحقيق الوظائف المتعددة والمتنوعة والمهمة في آن واحد على مختلف العصور وباختلاف المراحل التاريخية التي مرت بها.
لكن كلها كانت تعكس نمطا مشتركا في الاستخدام واساليبا متشابهة في تنظيم وتقسيم الأراضي فالتشابه بين المدن الإسلامية لايعتبر تشابها في الشكل المادي بدرجة كبيرة ولكنه تشابه أيضا في المفاهيم التي يعكسها هذا الشكل وفي العملية التي يتم من خلالها تنفيذ هذا الشكل.
فحسن الجوار والملكية المشتركة لبعض الموارد وحقوق الشرفية وتوفير عنصر الأمان كانت أساسا لتعريف الحدود الفاصلة بين الملكية الجماعية وخصوصية كل مسكن ،وتلك الأمور وان اختلفت من مجتمع لأخر ولكنها ظلت متوافقة في الإطار الثقافي والأخلاقي للمجتمع الذي صممت لخدمته.
هذا الاتجاه يؤكد على التفاعل الإنساني كأساس لتشكيل البيئة المادية حوله فهو لايوصي ببناء أحجام وارتفاعات مأخوذة عن نماذج عالمية بحيث يتعين على المجتمع الذي سيستخدمها إن يكيف سلوكه الاجتماعي عليها كما هو الحال في عمليات التحديث والتغريب المستمرة فالذي ينظر إلى بغداد العباسية اليوم لا يجد منها شيئا منذ نشأتها الأولى بل سيجد خليطا من الطرز والأساليب والمراحل التاريخية المتعاقبة على المدينة مع تآكل مستمر للقديم لحساب الحداثة ...
شارع ابونؤاس حاليا
فاليوم نرى انه لدينا أسلوبين من البناء:
  • الأسلوب الأول يحاول إيجاد توازن بين الناحية المادية والاجتماعية.
  • بينما يركز الأسلوب الثاني على تحقيق الوظائف الفنية والمالية.
إن الأمر المؤلم إن الأنماط المستوردة لم تأت لتعايش واقع مألوف وإنما أتت لتحل محلة في عملية إحلال واحتلال وإفراغ من المحتوى الروحي له ...فلم تعد هناك الشواهد والرموز والميزة المميزة للمكان وإنما أصبحنا نعيش في اغتراب نفسي وروحي مقيت.. وهذه هي أصول المشكلة العمرانية ليس لمدينه بغداد فحسب بل اعتقد جازما أنها لمدن أسلامية كثيرة... إن إحلال الأنماط الجديدة لم تراعي كذلك تحسين الرقعة المساحية المجاورة لها ولم تعطي اهتماما للسكان المحيطين والقاطنين في المناطق المجاورة أي اهتمام ..وهو ما افقدها أهم رموز التجاور المبني على اعتماد سياسة الشريك المحلي للتطوير.
فعند ملاحظة بعض الأمثلة من بعض التفاصيل القليلة والمبعثرة من برامج التطوير الذي جرى لبعض مناطق بغداد إبان فترة الثمانينيات ، ولنأخذ شارع حيفا في كرخ بغداد كمثال ولننظر بصورة جوية وأرضية للمحيط الفضائي والاجتماعي نرى انه تمثل جسما غريبا قد حل بين الأنظمة العمرانية القائمة.
وللأسف نجد إن هذا الانفصال يظهر جليا أيضا على مستوى الفكر التعليمي منذ الخمسينيات من القرن الماضي على مستوى الأكاديميات والجامعات العراقية.
إن عمليات التحديث الجارية أو تلك التي يخطط لها إن تقوم بهدف تعمير وإعادة أعمار مادمر ونقل بعض أوجه الحضارات الأخرى نحن ليس ضدها أو ضد مفهوم الحداثة برمته ألا الذي يهمنا ويهم المجتمع بشكل أوسع أن تكون تلك الإجراءات متوافقة في مقوماتها المادية والفنية والتي تنعكس على التصرفات النفسية والاجتماعية للمجتمع.
وان كان طموحنا إن تتميز بغداد أو غيرها من مدننا العريقة بطابع مميز في ظل عولمة الثقافات القائمة على مبدأ تفكيك الأصل مع المضمون وضمن هذا التوجه فان الأمر الخطير سيجعل من ثقافتنا الإسلامية مجرد حدث عابر وإغفال لميراثها الثقافي والروحي وبالتالي تراثها المعماري والحضاري وبالتالي  لم تعد للمحلية مكان في أذهان معماريينا ومخططينا الحضريين وهو مالا نريده بل و بشغف نسعى إن تبقى لأنها هي التي ستحافظ على هوية المجتمع وتجعله يعيش في تناغم مع المحيط والتاريخ والمستقبل .
المدرسة المستنصرية من الآثار القليلة الباقية من مدينة بغداد العباسية
ب
مدينة الكاظمية1942
إن التوحد في الطرز والأنماط سيفقد الهوية المميزة التي يبحث عنها المجتمع المحلي وحتى السائح القادم من أصقاع العالم المختلفة....كما إن هناك من القضايا التي نرى أنها ذات بعد معاصر لفهم الحداثة والأصالة هو البحث عن ديمومة الاقتصاد والتحضر بالتوافق المبني على تحقيق المشتركات بين قيم متأصلة وراقية وقيم أخرى مستوردة ومبتورة من مجتمعات أخرى وما يرتبط بها من تغييرات جوهرية .. وعليه إن لانغالي القول بان تكون الحلول ستحل من تلقاء نفسها بل..... سنجد الكثير من المعطيات التي يجب أخذها بعين الاعتبار ومنها....
المهن التقليدية جزء من الإرث الحضاري لشخصية المدينة الإسلامية هل لنا إن نحافظ عليها من الضياع؟؟؟
  1. إننا نعيش في عالم متعدد التوجهات في الرؤى و التي تعمل بشكل تنافسي في كفاح من أجل البقاء وتمثل فرضية (إن الانسان يتفاعل ايجابياً مع المكان الذي يعيش فيه بحيويته المكانية) .
  2. هذا الوضع الجديد للتعاملات الاقتصادية والسياسية والبيئية المتعددة يفرض على مدننا وتراثنا المعماري أن تكون على قدر كبير من القدرة التنافسية العالمية فالمدينة أصبحت كالمنشاة الصناعية متعددة الإغراض والبرامج فهي لها من الربح والخسارة المادية المنظورة وغير المنظورة لها ولسكانها وان البقاء ربما سيكون مرهون بالأصلح للمفاهيم الروحية والمادية بان واحد .....
  3. إن من سيتحمل التأثير الأكبر لحدوث سلوكيات التفاعل الاجتماعي والاقتصادي العالمي هم السكان المحليين ما لم يكن مقترناً بتوافق في خصائص البنية العمرانية—الاقتصادية- الاجتماعية للسكان أنفسهم.
  4. سيكون هناك طلب متزايد على مختلف المنتجات والترويج لها وفقا للتميز المكاني ولكن طرق العرض والإعلان ستكون من الاختلاف والخلق والابتكار مما يتطلب وجود آليات عمل تنطلق من بعدنا الحضاري والإرث والتاريخ و... 
5-إن عملية تنوّع وتوسع النشاطات البشرية والاقتصادية وتنوّع استعمالات الشكل العمراني إزاءها لابد إن تعمل على تقوية التصورات البيئية كونها تعمل على خلق هيئات مختلفة وأشكال متميزة وواضحة تسهل تكوين التصور البيئي،وبالتالي فإنها ستسهل عملية الاستدلال ضمن البيئة العمرانية المحلية ، ونتيجة ذلك فان الفعاليات الخدمية ضمن التجمعات المحلية في مدننا العربية من( مستشفيات ومدارس وغيرها) يجب إن تمنح شاغليه إحساسا بالتعريف المكاني بعيدا عن النقل الحرفي لعمارة لأتمت لنا بصلة .
وعلى ضوء تلك المعطيات وغيرها الكثير نرى إن مدننا وعمارتها الإسلامية المميزة ستكون يلاشك هي مفتاح للقديم المفقود وحلاوته المميزة والقادم واستدامته المطلوبة لان لا شيء يشابه أخر مهما حاولنا التقليد....
بقلم
د مخطط مدن

علي كريم العمار
جامعة بغداد/المعهد العالي للتخطيط الحضري والإقليمي
 
EMAD HANI ISMAEEL
                 Ph.D. in Technologies for the Exploitation
                 of the Cultural Heritage .
                 Senior Lecturer in the Dept. of ArchitectureE-mail:        emadhanee@yahoo.com

                 College of Engineering , University of Mosul 
                 Mosul - Iraq .

                  emadhanee@gmail.com
                  http://emadhani.blogspot.com/
Tel :           +964 (0)770 164 93 74
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق