الاثنين، 27 فبراير، 2012

تجربة فريدة لانشاء مسجد جامع

 
تجربة فريدة لانشاء مسجد جامع
الأخبار 9/12/1994

على بعد أمتار من مدخل جامعة الأزهر فى مدينة نصر ... يقف سامقا شامخا فى بساطة متناهية وبهاء لا تستطيع مقاومته فما أن تمر عليه ذهابا أو إياباً حتى يتسلط طرازه المعمارى الفريد عليك فلا تملك أن تحيد عنه ناظريك فتستدير إلي الخلف لتمتع عينيك بإلتقاط كل ما تسمح به اللحظات القصيرة من تفاصيل هذا البناء المعمارى الفريد.
إنه مسجد الزهراء الذى تقيمه جامعة الأزهر فى مدخلها، بمدينة نصر وهو تحفة معمارية بدأت تتضح معالمها بعد أن قارب المسجد على الإنتهاء فهى تحقق فى مظهرها ومضمونها معادلة السهل الممتنع، التى إعتاد أن يحلها لنا العالم المعمارى الدكتور عبد الباقى إبراهيم فى تصميماته، الذى استطاع عن طريق مركزه للدراسات التخطيطية والمعمارية أن يقوم بتصميم عديد من مشروعات عمرانية تمتاز بطابعها الإسلامي ويراعى فى كل تفاصيلها القيم الإسلامية الأصيلة، وقد حصل على جوائز عدة من دول كثيرة أقام بها هذه المشروعات.

وبحثا عن معايير إسلامية واضحة لما يجب أن تكون عليه عمارة المساجد، خاصة بعد ما حدث لهذه العمارة من تجاوزات أضاعت هيبة وبهاء بيوت الله ... أجرت جريدة الجمعة معه هذا الحوار :
- تؤكد دائما على أن هناك معايير وقيما إسلامية يجب أن تراعى فى عمارة المساجد ؟
- تخضع عمارة المساجد لقيم إسلامية تتمثل فى بساطة المظهر وعدم الإسراف فى الزخرف واستثمار المكان بأقصى قدر ممكن سواء للصلاة أو لغير الصلاة من الأنشطة المرتبطة بالتعليم الإسلامي . أيضا تخضع عمارة المساجد إلي الإعتماد فى البناء بقدر الإمكان على المواد والخامات والعمالة المحلية فلذلك منظور إقتصادى هام هو تقوية المجتمع إقتصاديا  ... هذا بخلاف توفير الجو الروحانى فى الفراغ الداخلى للمسجد والإقلال من الأعمدة حتى لا تقطع صفوف المصلين بتطبيق تكنولوجيا وتقنية البناء التى تساعد على ذلك، وأيضا تطبيق الشكل الطولى لبيت الصلاة عموديا على اتجاه القبلة حتى تزداد الصفوف الأمامية طولا ، ويعنى ذلك أنه من الأفضل تجنب الأشكال المستديرة أو المثمنة أو حتى المربعة.
ويضيف إلي هذه المعايير ... معيارا أخر هو ضرورة أن تخصص للفرد مساحة 8 متر مربع لحساب الطاقة الاستيعابية للمسجد فإذا كان الجامع يسع مائة مصل تصبح مساحته ثمانين متراً ويصبح الطول ضعف العرض ...
كيف راعيت هذه القيم والمعايير الإسلامية فى عمارة مسجد الزهراء ؟
- أولا قمنا بإستثمار مساحة المسجد إستثمارا جيدا ، حيث قمنا بتحويل رواقين من المسجد إلي اثنى عشر فصلا دراسيا لاستعمالها فى غير أيام الجمع وذلك بتثبيت مقاعد متحركة فى الأرض يمكن فتحها عند الاستعمال وردها إلي مكانها فى مستوى الأرض عند الصلاة الجامعة ... ويضيف د. عبد الباقى إبراهيم ... هذه هى المرة الأولى التى تستثمر فيها مساحة المسجد هذا الاستثمار فى كل مساجد العالم.
- كثيرا ما يضطر البعض إلي التغاضى عن قيمة الإعتماد على الخامات المحلية بسبب عدم توافر كل الخامات المطلوبة ... كيف تغلبتم على هذه العقبة فى بناء مسجد الزهراء ؟
إن قوة المجتمع الإسلامي تستمد من قوة اقتصاده ، وقوة اقتصاده تعتمد على استغلال الخامات والأيدى العاملة المحلية ... وقد راعينا ذلك فى عمارة مسجد الزهراء .. فقد استخدمنا كل المواد المحلية فى البناء والمستورد منها لا يمثل نسبة تذكر مثل السيراميك الإسلامي لإنه لا يوجد فى مصر للأسف مع إنه مطلوب وقد استخدمناه فى مدخل المسجد وأسفل الجدران الداخلية له.
تعتبر الأعمدة طابعا معماريا تراثيا يلتزم به الجميع فى عمارة المساجد فلماذا ترى أن عدم وجودها من القيم المعمارية الإسلامية ؟!
- ظهور الأعمدة فى المساجد الأثرية كان لسبب انشائى بحت وهو استعمال العقود من الحجر، وحقيقة الأمر أن الأعمدة غير مستحبة لإنها تقطع صفوف المصلين، وقد وفرت لنا تكنولوجيا البناء الحديث نظما إنشائية تغطى مساحات كبيرة دون أعمدة فلماذا لا نستفيد منها ونحقق للمسجد مساحة واسعة للمصلين دون وجود شىء يقطع على المصلين صفوفهم ؟!
ويفسر الدكتور عبد الباقى إبراهيم إصرار مصممى المساجد على إقامة هذه الأعمدة إلي قناعة البعض أن الشكل التراثى القديم هام لا يجب المساس به أو تغييره، مع أن التكنولوجيا المعاصرة التى توفر لنا فراغات كبيرة داخل المسجد دون حاجة إلي أعمدة يمكن تطبيقها دون فقدان التأثير التراثى القديم، وهذا ما طبقناه فى مسجد الزهراء. وفى مسجد الدولة فى بغداد وهو نوع من ربط الأصالة بالمعاصرة.
وفى مسجد الزهراء استعملنا جسورا حديدية ذات أطوال كبيرة تحمل وحدات من الأقبية المتقاطعة وبذلك تم الاستغناء عن الأعمدة.
ومن أهم المعايير الإسلامية التى يجب مراعاتها فى عمارة المسجد- كما يقول د. عبد الباقى- هو استطالة المسجد وبناؤه على شكل مستطيل حتى يتحقق لصفوف المصلين أكبر أطوال ممكنة ، ولكنه يستثنى من تلك قاعدة المسجد الحرام حيث يقول :
ان المسجد الحرام فى مكة المكرمة هو المسجد الوحيد الذى يمكن تصميمه بالشكل الدائرى حول الكعبة المشرفة بحيث تستعمل أعمدة على مسافات بعيدة لتوفير أكبر قدر من رؤية الكعبة.
ويضيف د. عبد الباقى إبراهيم قائلا :
إن المعمارى المسلم لا بد أن يفكر دائما إسلاميا فى كل تصميماته، بمعنى أن تكون القيم الإسلامية هى الموجه لفكره وعمله باستحضارها دائما فى كل أعماله وألا يرتكن إلي الشكل ولكن يبحث دائما عن المضمون.
هل ترى هذه القيم الإسلامية المعمارية مطبقة فى عمارة المساجد حاليا ؟
- للآسف لا أجدها ... ولذا فأنا أطالب بإحكام الرقابة على بناء المساجد باستصدار قرارات من المحافظين بعدم بناء مساجد فى الجراجات أو فى البدرومات أو حتى فى الأدوار السفلى للعمارات، لأن ذلك يفقد المسجد قيمته كبيت من بيوت الله.
كما أطالب بأن يلتحم المسجد بالنسيج العمرانى للمدينة ولا يستغل كشكل مظهرى جمإلي يقام فى الميادين العامة أو فوق القلعة أو على النواصى ، فالمسجد لم ينشأ ليكون شكلا جماليا ولكن ليؤدى رسالة للمجتمع ... وهذا لا يتوافر فى المساجد الحالية فأغلبها يوجد فى أماكن تحيطها الطرق السريعة بين الجانبين مما يتعذر معه وصول المصلين إليها.
ويبدى  د. عبد الباقى إبراهيم ملاحظة  أخرى فى مساجد هذه الأيام وهى المبالغة الشديدة فى ارتفاع المنائر ... فيقول :
إن ذلك يعد فى رأيى إهدارا للمال مثل ما نجده فى جامع الفتح برمسيس حيث ترتفع المأذنة  بشكل مبالغ فيه ، كان من الممكن أن نبنى بتكاليف هذه المنارة خمسين مسجدا شعبيا للفقراء.
- ما الدور الذى يقوم به مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية فى الدعوة للإلتزام بالقيم الإسلامية فى المعمار ؟
- أصدر مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية موسوعة لصالح منظمة العواصم والمدن الإسلامية عن أسس التصميم المعمارى والتخطيط الحضرى المرتبط بالعقيدة الإسلامية وتضم سبعمائة صفحة نتمنى أن يطلع عليها كل من يريد أن يصمم أى مبنى سواء كان مسجدا أو منزلا أو مؤسسة حكومية. كما أصدرنا كتابا عن المنظور الإسلامي للنظرية المعمارية وكتابا أخر عن المنظور الإسلامي للتنمية العمرانية وهو يعرض لنظرية العمران الإسلامي من المنظور العقائدى وليس الشكلى أو التراثى لإثبات أن فى الإسلام قواعد يمكن الإعتماد عليها لوضع نظريات جديدة تتفوق على النظريات الغربية.
جريدة الجمعة : ترحب بكل الآراء الشرعية والهندسية والثقافية حول القضايا التى طرحها الدكتور مهندس عبد الباقى إبراهيم
يصف الدكتور عبد الباقى إبراهيم مسجد الزهراء قائلا :
هو عبارة عن شكل مستطيل بعرض 5. مترا وطول 6. متراً يتوسطه صحن مكشوف على جانبيه رواقان جنوبى وشمإلي، ويضم كل رواق مساحة تتحول إلي فصول دراسية عن طريق حواجز منطبقة تفصل بين هذه الفصول، ويوجد بكل فصل ستون مقعدا ينطبق بمستوى الأرض، وتبلغ مساحة بيت الصلاة 15 متراً فى 21 متراً أمام المحراب تغطيه قبة كبيرة، ويوجد بجوار المحراب شرفة للخطيب ... فقد استبدلنا المنبر بشرفة حتى لا نقطع الصفوف الأمامية للمصلين.
ويقترح الدكتور عبد الباقى أن تتحول دور المناسبات المرتبطة بالمساجد أو حتى المساحات الشاسعة داخل المساجد الحالية إلي قاعات للدرس فى غير أوقات الصلاة أيام الجمع.
ويرى أن تعطيل كل هذه المساحات طوال أيام الأسبوع بغير إستغلال علمى يعد استثمار معطل ، ونحن فى هذه الظروف أحوج ما نكون لإستغلال هذه المساحات كفصول للدرس ومحو الأمية خاصة بعد إنهيار العديد من المدارس بسبب الزلزال ثم السيول ...
يضم المسجد أيضا مكتبة بدورين- ومطعما وقاعات للألعاب الخفيفة وصالة للكمبيوتر وجزءً به غرف للإدارة بإعتبار أن هذا المسجد هو كلية للدعوة الإسلامية. 
Dr. EMAD HANI ISMAEEL
                 Ph.D. in Technologies for the Exploitation
                 of the Cultural Heritage .
                 Senior Lecturer in the Dept. of ArchitectureE-mail:        emadhanee@yahoo.com

                 College of Engineering , University of Mosul 
                 Mosul - Iraq .

                   emadhanee@gmail.com
                   http://emadhani.blogspot.com/
Tel :           +964 (0)770 164 93 74
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق