السبت، 4 فبراير، 2012

المئذنة وفلسفة "الرمزية" في العمارة "الإسلامية" د. وليد أحمد السيد

المئذنة وفلسفة "الرمزية" في العمارة "الإسلامية"
د. وليد أحمد السيد
معماري أكاديمي - لندن

sayedw03@yahoo.co.uk

قرار سويسرا الذي طرح في استفتاء شعبي مؤخرا بمنع بناء المآذن في المدن السويسرية, والذي تلقفته سراعا الكثير من الدول الغربية, يفتح الباب أمام تأملات في مفهوم "الرمزية" في العمارة العربية في مضمونها الإسلامي. وبعيدا عن تداعيات هذا القرار السياسية والإجتماعية والثقافية وما تداولته الكثير من الأقلام فيما سيعتبر مقدمة "لصراع حضاري" في الغرب ستعيشه الجاليات العربية والمسلمة في الغرب, سنتناول هذا الموضوع المهم من نظرة فلسفية مع الإشارة لتداعياتها المرتبطة بالثقافة والحضارة في إطار فلسفة العمران. ويثير ذلك عموما في ساحة العمارة العربية المعاصرة سؤالا محوريا في شرعية وضوابط الإستعارات التاريخية "وتجريدها" وإعادة قراءتها وتفسيرها.


وفضلا عن ذلك فهو موضوع محوري في ضرورة قراءة فلسفية واعية لفكرة "الرمز" في العمارة العربية و"الإسلامية", وما يرتبط بها من دلالات وإشارات تبثها الأشكال المستخدمة وارتباط الشكل الفني بالوظيفة – وخاصة في حالات "تحوّر" الوظائف عبر فترات زمنية تتطلبها المرحلة والظروف والإحتياجات الإنسانية والثقافية والحضارية. والسؤال المهم الذي نطرحه ابتداء في هذا الإطار هو: هل هناك "رموز" وأيقونات خاصة بالعمارة العربية "الإسلامية" تدل دلالات قاطعة عليها وبشكل حصري لها, وكيف اكتسبت هذه الأيقونات صفتها "الرمزية" تلك؟ أهو الشكل أم الوظيفة؟وما هو الإطار الفلسفي النظري الذي يضع تلك الأشكال والأيقونات ضمن دلالات ثقافية خاصة ومعينة بهذه الثقافة أو تلك بحيث ينفي عنها انتماءها للثقافة الإنسانية العالمية– إن كان هذا الإفتراض ممكنا وصحيحا؟

وبمعرض الإجابة عن هذه التساؤلات, يزعم الكثير من الباحثين والمفكرين في رمزية العمارة العربية "الإسلامية", ومنهم "أولج غرابار" مثلا, أن العمارة الإسلامية "تزخر" بشكل مدهش بالمعاني والرموز والدلالات المختبئة في "الأشكال" التي تستعمل بغزارة. في مقاله المنشور عام 1983 بعنوان (Symbols and Signs in Islamic Architecture) يزعم "غرابار" أنه لم يتطرق - آنئذ ومنذئذ- أي باحث بشكل جاد لهذا الموضوع الفلسفي الفني العميق. وبرغم ذلك نجد بعض الدراسات التي قدمها (Ardalan-Bakhtyar) في كتاب (Sense of Unity) وغيرها مما تطرق للمنظومة الهندسية في العمارة الإسلامية, ولكن دون الخوض بتحليلات عميقة لمدلولات الشكل والرمز. في مقاله يطرح "غرابار" فكرة أساسية مفادها أن هناك إيحاءات "سيميائية" (semantic) متعلقة بالأشكال وخاصة بالعمارة الإسلامية. ويطرح تعريفا أساسيا بين الرمز (symbol) وبين الإشارة (sign). فالإشارة يزعم "غرابار" أنها تشير لشيء ما أو لانطباع معين, بينما الرمز يعرّف الشيء ويوحي ضمنيا به لكنه – أي الرمز – لا يصفه بإحاطة كما تفعل الإشارة أو الصورة (image).

ولتوضيح مقاربة "غرابار" النظرية هذه فسنعمد لاستعارة ثلاثة أشكال هندسية لمباني اصطلح على نسبتها للعمارة "الإسلامية", لسبب ليس واضحا إن كان الشكل أو حتى الوظيفة له ارتباط مباشر به. ولنفرض –جدلا- أننا لا نعرف هذه الأشكال الثلاثة وما "ترمز" إليه. فالأول هو مبنى صرحي على شكل هندسي هو المكعب, والثاني هو بناء في القدس المحتلة يعلوه قبة نصف دائرية أو بصلية مذهبة, والثالث هو بناء صرحي مقبب ومحاط بأربعة أبراج رأسية ويعلو مصطبة ويقع بالهند. والتساؤل هو: ما هي الدلالات التي تجعلنا ندرك بأن هذه المباني الصرحية تنتمي للعمارة "الإسلامية"؟ وبكلمات أخرى ما الذي يجعلنا ندرك الأول وهو الكعبة المشرفة كأحد أهم الرموز التي تتصدر كتب العمارة الإسلامية, وأن الثاني هو مبنى قبة الصخرة والتي يعتبرها بعض النقاد "جوهرة" العمارة الإسلامية, وأن الثالث هو تاج محل بالهند؟ ما هي الدلالات أو المعاني التي تبثها هذه المباني – إذا استثنينا الآيات القرآنية أو الكتابات – والتي تصنف هذه "الأشكال" ضمن بوتقة العمارة "الإسلامية"؟

فلو جادلنا مجادل أن هذه "الأشكال" لها مدلول "إسلامي" فهذا الرد باطل ومردود على صاحبه بالمنطق. فما هو ارتباط "المكعب" بالإسلام, أو ارتباط القبة بشكلها نصف الكروي أو البصلي بالعمارة الإسلامية. ولو جادلنا آخر بأن الإرتباط هو "بالوظيفة" فهذه الأطروحة مردودة على أصحابها أكثر من سابقتها, بل ولهذه الأطروحة دلالات عكسية. فما هي وظيفة المكعب الأجوف بما يجعله "إسلاميا" وليس ذي دلالات ثقافية أو ثيولوجية أخرى. والشكل الثاني- قبة الصخرة- مثير للجدل كذلك من الناحية الوظيفية, إذ يثير التساؤلات حول أهميته من الناحية الوظيفية بما يجعل ارتباطه بالإسلام محوريا وبالضرورة! فهو بناء "صرحي" أقامة عبد الملك بن مروان حول الصخرة في البقعة التي عرج منها النبي (عليه الصلاة والسلام) إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج, وبذلك فليست له وظيفة "إسلامية" كالمسجد للصلاة مثلا, إنما هو بناء ذي ارتباط بحادثة تاريخية! أما الأكثر إثارة للجدل فهو الشكل الثالث, إذ ما علاقة مبنى أنشئ "كضريح" لزوجة مهراجا بالعمارة الإسلامية أو بالإسلام, وما هي أهميته وظيفيا وكيف يخدم تعاليم الإسلام؟ وفضلا عن ذلك فبعض هذه الصروح تكاد تخالف تعاليم الإسلام بوظيفتها. وإذن فما الذي يجعل هذه الأشكال "إسلامية" أو يلصقها بالثقافة والعمارة "الإسلامية"؟

للإجابة سنعرض لمثال آخر مهم هو المئذنة رغم القضايا الأخرى الجدلية التي تثيرها في موضوع "الرمزية". وهذا المثال تحديدا يورده "غرابار" في أطروحة عامة خاصة بالرمز والإشارة في مقاله, حيث يعتقد أنها إشارة (sign) لها وظيفة, لكنها تتحول "لرمز" (symbol) عندما تذكرنا بالإسلام, ويمكن أن تصبح بذاتها رمزا له دلالات على منتج ثقافي أو هوية حضارية معينة كما تفعل مئذنة جامع سامراء حين تذكرنا بمدينة سامراء مثلا. وبكلمات فلسفية أكثر عمومية, فبينما نجد أن الإشارة (sign) لها خصائص وصفات "ثابتة", فإن الرمز (symbol) خصائصه وصفاته "متغيرة".
وليد أحمد السيد
لندن
 


لكننا بإعادة قراءة مداخلة "غرابار" نجد أنها ليست كافية لفهم العلاقة الجدلية بين الرمز والوظيفة – وبخاصة حين تكون الوظيفة متغيرة أو تخضع لعملية "تحوير" مستمرة, وكما هو الحال في معظم المفردات والأشكال والرموز المعمارية في العمارة "الإسلامية" – وأبرز أمثلتها المئذنة بوظيفتها "المعاصرة" التي لا علاقة لها بوظيفتها "التقليدية" التي ابتكرت لأجلها في صدر الإسلام حين كان المؤذن يعلوها للنداء للصلاة.

وهناك معضلة فلسفية أخرى متعلقة بالشكل في حالة المئذنة- وبخاصة المغايرة للمآذن بشكلها التقليدي الذي تحفل به العواصم التقليدية كالقاهرة والتي يعلوها هلال – فما الذي يمنح مئذنة جامع سامراء الحلزوني المتصاعد للسماء صفة "الإسلامية" أو يميز مئذنة الجيرالدا بإشبيلية باسبانيا كبرج رأسي مربع عن أبراج ساعة "بيج بين" بلندن, أو حتى إحدى المسلات المصرية (كتجريد لفكرة المئذنة)؟ وهنا يمكن أن يجادل مجادل أن المئذنة بشكلها المعاصر وبعد تغير وظيفتها الأصلية يمكن أن تكون أي مبنى برجي رأسي يعلوه سماعة مكبرة للصوت, وهذا المبنى يمكن أن يكون برج ساعة "بيج بين" نفسه! فهل يكتسب برج ساعة "بيج بين" صفة "الإسلامية" لو تم تركيب سماعة نداء للصلاة عليه واستعارة الشكل في بناء مسجد ببرج مماثل للساعة؟ وهذا يفتح الباب على مصراعيه في مسألة "الأيقونات" والرموز التي تم أخذها كمسلمات ترتبط بقبولها كأشكال فقط في العمارة "الإسلامية" بحيث غدت مسألة استعارتها في العمارة العربية المعاصرة مسألة شكلية وتشكيلية ليس إلا. فهذه الأمثلة وغيرها تفتح الباب أمام معضلة معمارية فلسفية في علاقة الشكل بالوظيفة ودلالاته الرمزية وشرعية قبوله "بدهيا" كرمز ذي دلالة ثقافية مسلم بها, وبخاصة في حالة تحور الوظيفة وانتفائها أصلا في الكثير من الحالات.

طرحنا لهذه المسألة الفلسفية في مضمون الرمز في العمارة وبالذات ضمن الهوية الإسلامية, بما تتيحه هذه المساحة, في هذا الوقت بالذات يتداخل بشكل جوهري مع مسألة الهوية وارتباط الرمز بها. ولعل المئذنة في حالتنا هذه وضمن السجال الدائر في أوروبا ومسألة "الإسلاموفوبيا" يدخل ضمن أبعاد ثقافية وحضارية أكبر من مسألة علاقة الشكل بالوظيفة, ولكن ضمن مسألة العلاقة بين الذات والآخر ومدى تقبل الثقافات الغربية للرموز الدينية الإسلامية ضمن سؤال الثقافة والحضارة والهوية. ولذلك فالمئذنة هنا – كائنا ما كان شكلها – أو حتى مع انتفاء وظيفتها في الغرب, حيث يمنع الآذان أصلا على مكبرات الصوت الخارجية وكما تنوي عمله سلطات الإحتلال الآن في مدينة القدس, أصبحت رمزا لهوية معينة ذات صبغة "إسلامية" مغايرة للثقافات الأخرى بما يشير إليه المبنى الذي تقام عليه وهوية من يقوم عليه وليس لشكلها أو وظيفتها. وبكلمات أخرى, فرمزية الشكل في العمارة الإسلامية – المئذنة مثالا – تحدد احداثياتها "العلاقة الثلاثية" بين "الشكل" و "الوظيفة", والعنصر الثالث والأهم وهو "المضمون" الثقافي والبيئي والإجتماعي "والظرفي" التاريخي الذي تفرضه طبيعة العلاقة بين المحددات الثلاثة. وهذه المحددات الثلاثة لا تملي نمطا وقالبا "ثابتا" بل يخضع ناتجها لطبيعة التفاعل بين الشكل والوظيفة والمضمون الهوياتي, ومن الخطأ نسبة الشكل بذاته لثقافة أو هوية ما بل تتحدد دلالة الشكل بعلاقته بالمنظومة الثلاثية ضمن إطارها الثقافي بما يضفي عليه "رمزيته" لهذه الثقافة أو تلك.

ومن هنا فإشكالية المئذنة التي تدور رحاها مع الغرب اليوم, هي أعمق من مجرد علاقة وظيفية "إزعاجية" للغرب من خلال النداء للصلاة عبر مكبرات الصوت, وليست متعلقة بالشكل أو الإرتفاع في سماء المدينة بأي شكل تتخذه – تجريدا كان أم نقلا معماريا حرفيا لنماذج تقليدية مع العمارة "الإسلامية"- بل هي إشكالية متجذرة في البعد الثقافي الهوياتي والتي تحدد خصائص "الرمز" – وما ترمز إليه المئذنة!

Dr. EMAD HANI ISMAEEL
                 Ph.D. in Technologies for the Exploitation
                 of the Cultural Heritage .
                 Senior Lecturer in the Dept. of ArchitectureE-mail:        emadhanee@yahoo.com

                 College of Engineering , University of Mosul 
                 Mosul - Iraq .

                   emadhanee@gmail.com
                   http://emadhani.blogspot.com/
Tel :           +964 (0)770 164 93 74

 

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا جزيلا ، أنا مهتمّة بهذا الموضوع

    ردحذف
  2. الموضوع مهم جدّا ، شكرا جزيلا .

    ردحذف