الاثنين، 4 يونيو، 2012

«البراجيل» رمز دبي المعماري.. ومكيفات الزمن القديم

 «البراجيل» رمز دبي المعماري.. ومكيفات الزمن القديم
«البراجيل» رمز دبي المعماري.. ومكيفات الزمن القديم
شاكر نوري - الشرق الأوسط - دبي:

تثير المربعات المعمارية المشيدة من مواد البناء القديمة على سطوح المنازل الإماراتية القديمة فضول الناظر، وتبدو من بعيد وكأنها أبراج لمدينة قديمة، بألوانها البنية وأشكالها المعمارية، وإن اختلفت أحجامها من بيت لآخر. إنها معالم لا يمكن أن تخطئها العين لا من قريب ولا من بعيد. وتمتزج هذه الإثارة بالتعجب، خاصة إذا كان الناظر يجهل تاريخ نشوء هذه العمارة الفريدة من نوعها.


هذه المربعات المعمارية البارزة على سطوح البيوت، تسمى «البراجيل»، أو «أبراج الهواء»، أو «المسارب الهوائية»، وهي تسميات مختلفة يمكن وضعها تحت عنوان واحد هو «مكيفات الزمن الغابر» قبل أن تغزو المكيفات الحديثة البيوت الإماراتية.

كيف تعمل هذه «البراجيل» أو المكيفات القديمة؟

إن المساكن، كما هي الحال في بلدان الخليج كافة، بحاجة إلى التبريد بسبب المناخ القاسي ودرجات الحرارة المرتفعة، ولذا انتشرت «البراجيل» في الإمارات والبحرين وقطر والكويت، وإلى حد ما في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.



«البراجيل» إذن عبارة عن بناء مرتفع، مربع الشكل يبنى على سطوح الغرف الرئيسية في البيوت القديمة، أو فوق بيوت «العرشان»، يشبه أبراج الأجراس الإيطالية، وينشأ بين زواياه الأربع جداران متقاطعان يقسمان الفراغ إلى أربع فتحات مثلثة، مما يسمح بالتقاط الهواء من جميع الجهات، وخاصة ما يهب على هذه السطوح، إذ يمر عبر منافذ «البراجيل» إلى الداخل بينما يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى. ومع اشتداد حركة الهواء تجري عملية التبريد في الغرفة الخاصة حين تكون فيها الرطوبة مرتفعة، فتتم عندئذ عملية التهوية بغض النظر عن اتجاه الريح، لأن «البراجيل» تعمل على نفث الهواء إلى داخل الغرف بطريقة بطيئة لتمنحها البرودة على مدار أشهر الصيف. إلا أن إيقاع الحياة السريع جعل البيوت الإماراتية الحديثة تتخلى عن هذه الوسيلة التقليدية البطيئة في التبريد، وتلجأ إلى المكيفات الصناعية السريعة.

في الواقع ليست «البراجيل» اختراعا إماراتيا، فقد استخدمت حين كان يطلق عليها «مسرب الريح» منذ عصر الفراعنة مرورا بالعهد العباسي. وعرفت في بلاد الشام والمغرب ومصر بـ«المشربية». وهي تبنى في إيران من الإسمنت بعكس الإمارات حيث تشيد من مواد البناء القديمة. وفي العهود الغابرة، كانت تصنع من الأقمشة والأكياس وتغطى أسطحها بالأخشاب، والسعف أحيانا في المناطق الساحلية.

ولو عدنا إلى التاريخ، لوجدنا أن معظم «البراجيل» في الإمارات بنيت بشكل واسع عام 1903، وهذا التاريخ يشير إلى وصول التجار من القواسم وبني ياس إلى المنطقة. ثم توافد الصناع والتجار إلى دبي واستقروا في مناطق الفهيدي والبستكية والشندغة وضفاف الخور.. التي ما زالت تبرز فوق بيوتها «البراجيل».



ويشير المؤرخون إلى أن «البراجيل» القديمة كانت تزين بنقوش وزخارف جبسية متنوعة مما يؤكد وظيفتها الجمالية في البيت الإماراتي. ولكن، على الرغم من تباين أشكالها، فإن آلية عملها ظلت واحدة، إذ يوجد في «البرجيل» الواحد أربع فتحات نحو اتجاهات الريح الأربعة من أجل مهمة واحدة هي جلب الهواء الساخن وتبريده وإدخاله إلى الغرف.

واليوم غدت «البراجيل» رمزا للبناء التراثي القديم في دولة الإمارات. وهي لا تختلف عن أي جزء من بناء البيت مثل الباب والحائط والسقف والشباك، لكنها عناصر جمالية بالإضافة إلى وظائفها العملية، ولقد استخدمت بشكل واسع في تشييد مدينة الجميرا الحديثة في دبي.. ولو على الطراز القديم.

ونجح المعماريون في استخدام العنصر القديم في الأبنية الحديثة، كما يذكر الدكتور المهندس ياسر محمد منصور، الأستاذ بقسم الهندسة المعمارية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، «على أن هذه المفردات ما هي إلا عناصر جمالية شكلت رؤية الإماراتيين لبيوتهم. وتبقى (البراجيل) عنصرا زخرفيا لتشكيل هندسة البيت سواء من الداخل أو الخارج. وهناك مفردات وعناصر قالبية ملموسة تؤكد روح الفراغ وتعبر عن روح المكان وخلفيته الثقافية كمرآة تعكس روح المجتمع. ومثلما يصار إلى استخدام الواجهات القديمة في الأبنية الحديثة عبر المحافظة عليها، فإن دبي تبني أحياء، بل مدنا كاملة، على الطراز الحديث ولكن بمواد البناء القديمة، مع الاحتفاظ بالطراز المعماري التراثي القديم من جهة، والاستفادة من كل العناصر المريحة التي يقدمها آفاق البناء الحديث من جهة أخرى».


إن «البراجيل» علامة لقوة البيت ومزاياه الغنية، إذ هناك بعض المساكن تحتوي على اثنتين منها أو أكثر تبعا لسعة المنزل وثراء مالكه. ولا تزال هذه «البراجيل» قائمة حتى الآن في كل من دبي والشارقة، تجمع القديم والحديث. وكل هذه الابتكارات من «البراجيل» و«الملاقف الهوائية» - وهي تجاويف متداخلة تسمح للهواء بالمرور في أنحاء البيت - وغيرها، جاءت من خلال الخبرات المتراكمة لسكان المنطقة ومدى تفاعلهم وحوارهم مع الطبيعة. إلا أن كثيرين يخشون اليوم، وسط التطور العمراني الفائق، أن تختفي «البراجيل»، رمز دبي المعماري الخالد، فهي تمثل معلما معماريا مميزا يسر الناظر، ويثير إعجابه بعقول الأسلاف الذين أبدعوا مستلزماتهم من الأشياء البسيطة من دون الحاجة إلى الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق