الأربعاء، 21 مايو، 2014

المدينة الإسلامية و إشكالية المصطلح

المدينة الإسلامية و إشكالية المصطلح

 الحلقة الأولى: المدينة الإسلامية و إشكالية المصطلح
المدينة الإسلامية: ردود على السيد وليد
  المدينة الإسلامية و إشكالية المصطلح
د. مصطفى بن حموش
أستاذ مشارك، عمارة إسلامية
بجامعة البحرين

مقدمات
نشرت صحيفتا القدس العربي يوم 7 مارس 2009 و الوطن العمانية يوم 21 أبريل 2009 سلسلة مقالات عن موضوع "المدينة الإسلامية" للزميل وليد السيد تضمنت طرحا لرؤى خاصة بالكاتب و نقدا لما نشره بعض الباحثين في الموضوع. و قد وجدت بعد قراءة  المقالات بتمعن و البحث عن سيرة الزميل العلمية أن صاحبها رغم اهتمامه المتزايد بالموضوع ليس من أهل الاختصاص، بالإضافة إلى نقده السلبي لأعمال السادة بسيم حكيم و صالح الهذلول و جميل أكبر الأكاديمية شهد لها القريب و البعيد بالمكانة العلمية و الأصالة و الاستجابة لشروط البحث العلمي مما يتطلب مناقشة تلك الآراء و إثرائها و ردّ بعضها. و يجب التأكيد بداية أن التعرض لهذا الموضوع له مستويات أعلاها المستوى الأكاديمي المحكّم الذي تستجيب له تلك الأعمال و أدناها المستوى الصحفي الذي نحن فيه، و الذي يشمل بالطبع ما قدّمه السيد وليد من آراء في مقالاته. و لا يعني ذلك تبجيل تلك الأعمال و إثبات صحتها المطلقة أو أزليتها، و لا حكر هذا المجال على أشخاص معيّنين، و  إنما التأكيد من باب أخلاقيات المهنة أن ردّها أو تخطئتها يتطلب بحوثا أكاديمية تضاهيها أو تفوقها جهدا و نوعية، و هو باب مفتوح للمنافسة الراقية.
و لعل أهم خلاصة يستنتجها القارئ من آراء الزميل وليد السيد هو انزعاجه من مصطلح المدينة الإسلامية، ثم ربط المدينة بالمنظور الشرعي الذي وصف الاهتمام بها من قبيل "الموضة الأكاديمية". و أعتقد هنا منح براءة اختراع هذا المصطلح لزميلنا، كون العمل الأكاديمي ليس فيه موضة، كما يعرفه كل من عاش الحياة الأكاديمية. فقد يكون الاهتمام ناجما عن اكتشاف محور جديد paradigm في مجال البحث فتتكاتف الجهود و تتسابق لإيفائه حقه. فنشر مقال علمي في مجلة محكّمة أو دار نشر علمية من حيث المبدأ أشبه ما يكون بالمخاض، قد يأخذ زمنا يعدّ بالسنوات. و قد يكون لمقال علمي في الأوساط الأكاديمية قيمة أكثر من الكتاب. و لعل أبسط طريقة لمعرفة الوزن العلمي لعمل أكاديمي هو البحث عن مؤشر عدد المراجعين له Citation Index . أما عن مسار المقال الأكاديمي المضني، فيبدأ عادة بالمسح البيبليوغرافي الواسع المستقصي لكل ما قيل في الموضوع، ثم الاجتهاد في المساهمة الخاصة زيادة عما  هو سائد، بأسلوب موضوعي تحكمه لغة علمية يسودها المنطق و البرهان، و تقل أو تغيب فيه الانفعالات الشخصية للكاتب تاركة المجال للأدلة و أساليب الإقناع. ثم يمرّ ذلك المقال بقنوات التحكيم التي تمحّصه لتقييم مدى صلاحيته للنشر و أصالته و مساهمته، و بعدها يأخذ المقال دوره في طابور النشر في المجلة المطلوبة. و تأخذ هذه الدورة مدة تتراوح ما بين السنة و السنتين و أحيانا أكثر. و لذلك فقد عرف أنشتاين بثلاث مقالات محكمة مشهورة. فالحياة الأكاديمية والنشر العلمي ليس فيه لفت نظر بالمنظور الفني و المسرحي الذي يصوّره السيد وليد. و قد مرت معظم أعمال الباحثين التي استصغرها السيد وليد بكل هذه المحطات، بخلاف مقالاته الصحفية التي أتوقع أنها  انطباعات سجلها في مدة لا تزيد عن أسابيع في أطول الآجال. 
التأريخ لدراسة المدينة الإسلامية
بعكس ما بدأ به السيد وليد عن بداية دراسة المدينة الإسلامية التي يؤرخ لها في السبعينات انطلاقا من كتاب "المدينة الإسلامية" للمستشرقين "حوراني وشتيرن" بجامعة أكسفورد فقد كان لزاما عليه الاطلاع على الأقل على مقال الدكتور جميل أكبر حول "هل هناك مدينة إسلامية " الذي نشر سنة 1994 لإعادة النظر في التأريخ لهذا المصطلح.
لقد كانت كتابات الأخوين الفرنسيين وليام و جورج  مارسي قد سبقت التاريخ الذي ذكره بزمن طويل. فالأول كتب عن "العمران و الحياة المدنية عند المسلمين" سنة 1928، و الثاني عن  "عمران المسلمين" الذي نشر سنة 1939. و بعدها كان عمل روجي لوتورنو سنة 1949 حول مدينة فاس. و بخلاف المدرسة الإستشراقية المغاربية فقد قام فرنسيون آخرون في المشرق بدراسة مدن الشام و القاهرة.  فقد قام سوفاجي بتحليل كل من مدينتي دمشق سنة 1934 و حلب سنة 1941 التي تعتبر من أوائل الدراسات عن موضوع "المدينة الإسلامية". لكن النقلة الكبرى كانت على يد روبير برانشفيك في 1950 الذي اكتشف مخطوط ابن الرامي "الإعلان بأحكام البنيان" و الذي أصّل للمدينة الإسلامية من حيث ارتباطها العضوي و الوثيق بالفقه الإسلامي و الشريعة. و قد تبعت هذه الدراسات التأسيسية عدة دراسات أخرى لتأكيد ربط المدينة بالإسلام. فمن ذلك المقال القيّم للباحث بابر جوهانصن عن دور المسجد الجامع في نشأة المدينة الإسلامية و تخطيطها الذي نشر سنة 1981.
إن دراسات كل من سوفاجي و جورج مارسي و ليام مارسي و لاسنر غيرهم من المستشرقين الأوائل تطلبت جهودا تقاس بعشرات السنين بالإضافة إلى الإمكانات  المادية التي أتيحت للباحثين آنذاك في ظل الإدارة الاستعمارية التي استغلت جهود الأكاديميين في تنفيذ المشروع الاستعماري. لقد أمضى بعضهم عشرات السنين في دراسة مدينة واحدة بقصد إعادة تركيب تاريخها و ذلك مثلما فعل لاسنر مع مدينة بغداد الدائرية الذي أعاد رسم مخططها و جون سوفاجي مع مدينتي حلب و دمشق الذي أزاح اللثام عن النسيج الهندسي الشطرنجي الهيليني الروماني للمدينتين قبل دخول المسلمين.
المدينة الإسلامية: هل هو مصطلح استشراقي؟  
يعتقد بعض الباحثين العرب و المسلمين أن مصطلح "المدينة الإسلامية" و "العمارة الإسلامية" ما هو إلا فخ وضعه المستشرقون و روّجوا له و تبعه الأكاديميون. و لعل أهم شخصية أكاديمية نظّرت لهذا الفهم هو دوكان كوبان التركي  الذي روّج بدوره للعمارة الإقليمية كبديل. و قد تلقف هذا الكلام وليد السيد و وسّعه في مقالة مستقلة لإقناعنا بصحة ذلك و هو خطأ. و قد أبدله بمصطلح المدينة العربية الذي لا يوفي الموضوع حقه كما سنرى.
لا خلاف أن مصطلح المدينة قد ظهر في الأدبيات العربية و الإسلامية في وقت مبكر تحت مسمى الخِطط و العمران و المصر أو التمصير. و ذلك ما نجده في كتابات ابن خلدون و  تلميذه المقريزي و كذلك ابن الربيع الذي عاش في العهد العباسي والفارابي. و السؤال الذي وضعه السيد وليد لتأكيد نظرته هو لماذا لم يستعمل المؤرخون والمؤلفون العرب و المسلمون تسمية "المدينة الإسلامية" و "العمارة الإسلامية" في كتاباتهم ليؤكد بدعية هذا المصطلح؟ إن الجواب بكل بساطة هو أن المدينة والعمران كان يخضع للإسلام بديهة و لم يتصادم مع أحكامه  و روحه. فمن البديهي ألا يضيف هؤلاء مصطلح الإسلامية للمدن طالما أنها كتابات رحمية، داخلية أو ذاتية. فالبعد الديني في العمران كان يرادف كتاباتهم كما يبيّن لنا منهجهم في ذلك حيث التذييل لكل فصل أو باب أو حكمة بآية قرءانية عند التوصل إلى ما يرونه أنه من قواعد العمران، مما يثبت ربطهما الوثيق بين القراءتين. فالظاهرة العمرانية  أو المدينة كسنن كونية وضعها الله تعالي، و الدين كنص أو وحي يبين السنن الإلهية في الكتاب، و لعل ذلك ما سمي باسم "التوفيق بين القراءتين"،  أي  الدينية و الكونية. لقد كان الإسلام آنذاك حاضرا و قائما في نفوس و عقول الأفراد و رؤيتهم للوجود. إنه تماما مثلما يحدث في عصرنا  من اهتمام بالهواء و الطبيعة و البيئة. فهل كان الأوائل السابقون مثلا يتحدثون عن تلوث الهواء، أو الإيكولوجيا، أو العمارة الخضراء؟ طبعا لا لأن ذلك كان موجودا ضمنيا و لم يكن في خطر، و لم يكن يحتاج إلى وصفه أو الدفاع عنه. فوصف الشيء في حضوره يعتبر لغوا.
أما التفنيد الثاني لقول كوبان و من وراءه السيد وليد فإن ظهور مصطلح "الإسلامية" في الكتابات الاستشراقية يعود إلى كون الكتابات خارجية عن دائرة الإسلام و حضارته. فقد كان المستشرقون يدركون الخلاف الواضح في المنطلقات الحضارية لكل من الغرب و البلاد الإسلامية. كما أدركوا أن الإسلام كان قطب الرحى في الحضارة الإسلامية و بالتالي في العمران والتمدن. و مع ذلك فإن إبرازهم لدور الإسلام لم يكن بهدف تمجيده بقدر ما إنه إلصاق التهمة به. و بغض النظر عن بعض التهم الباطلة فقد أفادوه من حيث لم يحتسبوا. فمهما تكن من نتائج أعمالهم فإن المرء لا يسعه إلا أن يقرّ بعمق دراساتهم و غزارتها و جديتها التي و إن كنا نتوجس منها فإنها مصدر معرفي غزير و مفيد لأجيال باحثينا.
و في رأيي أن سلبيات تلك الدراسات تعود إلى عاملين رئيسيين أولهما أن الدراسات قد قامت في جوّ الاستعمار التي استعملت نتائج هذه الدراسات لمعرفة الشعوب المسلمة بقصد السيطرة عليها و التحكم فيها و هضم ثقافتها، و قد كان العداء التاريخي بل و الحضاري بين الصليب و الهلال خلال قرون الحروب الصليبية في غالب حاضرا في نفوس أولئك الباحثين رغم ادعائهم الموضوعية العلمية. و السبب الثاني هو الرؤية المتعالية التي كان المستشرقون يعانون منها كونهم أصحاب مهمة حضارية من جهة، و أصحاب حضارات سابقة يونانية و رومانية كان لها الإشعاع الفكري و السيطرة العسكرية لمدة قرون. و قد جاءوا ليخلّصوا شعوبا متخلفة من رواسب حضارتهم الدنيا. و هكذا فبجانب مناهجهم الموضوعية التي تأسست مع بزوغ النهضة والتنوير كان الإزدراء العلمي الذي يهدف إلى إثبات مدى تورط الإسلام في عمران الفوضى و التعقيد الهندسي الذي كانوا يرونه في المدن القديمة.
و بغض النظر عن تلك الأحكام الجائرة التي أطلقوها فقد نجح المستشرقون بنسبة مهمة  من الموضوعية و التجريد من جهة، و الجدّ والكدّ طويل النفس من جهة أخرى، في الوصول إلى تحديد مدى تأثير الدين الإسلامي كأحكام و مؤسسات و أنظمة سياسية و ثقافية و اجتماعية في شكل المدينة. فقد وجد كل من وليام وجورج مارسي أن الدين الإسلامي بطبعه دين حضري لا يمكن قيامه الكامل إلا في المدينة، فهل يعقل إقامة صلاة الجمعة وصلوات الجماعة في غير التجمعات العمرانية؟ و لم يكن بابر جوهانصن بعيدا عن ذلك، حيث وجد أن المدينة عند المسلمين ترتبط بإقامة الحدود و إيجاد المؤسسة القضائية. و قد توجت كل تلك الدراسات بما اكتشفه كل من برانشفيك و غيره من مخطوطات تربط المدينة بالأحكام الفقهية و الحسبة والقضاء. و لذلك فإن تلطخ مصطلح "المدينة الإسلامية" و "العمارة الإسلامية"  بالدراسات الاستشراقية و سياقه التاريخي الاستعماري لا يلزمنا إلغاءه أو هجرته، حيث أن ذلك الموقف ذاتي و غير موضوعي كما ستبين هذه المقالة.   
مبررات استعمال المصطلح حاليا
يبقى لنا أن نتساءل عن صلاحية استعمال مصطلح "المدينة الإسلامية" حاليا في الجامعات و في البحوث الأكاديمية. إن الحاجة إلى المصطلح يتأكد بسبب هيمنة فكر العمران العصري الذي تعود جذوره إلى المدنية الغربية والعلمانية، و الذي يقوم على إلغاء و تهميش و تقليص دور الدين ككل في الحياة المدنية المعاصرة.
فالمدينة المعاصرة تعود جذورها من حيث الأسس والفلسفة إلى الفكر الأوربي اليوناني الروماني. و قد تشكلت شيئا فشيئا نتيجة الثورة الصناعية التي أحدثت انقلابا جذريا في العمران البشري. فقد غدت المدينة منذ ذلك الحين صورة للنظام الرأسمالي الذي يقوم على صراع الطبقات و آليات السوق، و على التنافس المادي و الربحية و تحقيق أقصى حد من الرفاهية الفردية، و الإتاحة بحسب القدرة، و من حيث السياسة و الإدارة رمزا لهيمنة دولة القانون و البيروقراطية التي تأسست إثر الثورة الفرنسية.
و لعل أكبر شيء مفقود في المدينة المعاصرة هو العامل الروحي و القيم الأخلاقية و الاجتماعية نتيجة طغيان التكنولوجيا و المادية و فكر السوق. لقد عانى الغرب مما كسبت يداه منذ الثورة الصناعية، و ها هو يحاول أخيرا أن يجد بديلا للمدنية العصرية عن طريق البحث عن روابط الثقافة بالعمارة، و المحافظة على التراث، والعودة إلى التاريخ، و استرجاع المقياس البشري، و اعتبار التصميم البيئي، و استعادة الروح الاجتماعية لدى السكان عن طريق المساهمة و المشاركة و غيرها من مستحدثات مجال العمران.
إن حاجتنا الحالية إلى مفهوم "المدينة الإسلامية" لا ينطلق من فشل التجربة العمرانية الغربية فحسب بل من بديهية الدين الإسلامي الذي لا يقتصر على الحياة التعبدية و الطقوسية، ليشمل كل نواحي الحياة المدنية و الحضارة. فبخلاف المفهوم العلماني الذي يقوم على ضرورة فصل الدين عن الدنيا كما حدث مع الدين المسيحي الكنسي، فإن الحضارة الإسلامية أثبتت أن الدين الإسلامي كان المحور الأساسي في الحضارة الإسلامية بما فيها العمران و التمدن.
لقد أخذت "المدينة الإسلامية"  مكانتها في أدبيات العمران المعاصر انطلاقا من التحدي الحضاري الذي يتطلب إظهار مدى إمكانية الإسلام و الفكر الإسلامي تقديم حلول ناجعة و مفيدة لحاجة المجتمعات المعاصرة. فقد ظل الفكر البشري مدة ما يزيد عن القرنين إلى يومنا متشبثا بنظرية فصل الدين عن الدولة كضرورة للتحرر الفكري و التقدم  العلمي. و قد تأثرت العمارة  و العمران أيما تأثر بالنظرية العلمانية، من حيث إبعاد الدين و الأخلاق عن التصميم  و التخطيط، باستثناء دور العبادة. و قد اصطبغت المعايير و القوانين العمرانية و المعمارية بالاتجاهات الملحدة و المادية و الصناعية التي تصبو إلى تحقيق الربحية و ترمي إلى تحقيق الرفاهية المطلقة و تؤكد على التنافس المادي الطبقي كأساس المدنية. و قد غدت الدولة هي المهندس الرئيسي للمجتمعات المدنية المعاصرة كما نظّر لها ماكس ويبر.
و في مدننا المعاصرة أدى ذلك إلى التصادم الوظيفي و الثقافي بين المجتمعات المسلمة و المدنية المعاصرة المستوردة. فالمباني المكشوفة و المسجد المهمش و المعزول أحيانا، و الطبقية الحادة و العلاقات الاجتماعية المفقودة بين فئات البشر، و الحياة المادية الاستهلاكية كلها نتائج لتبنّي نموذج المدينة المعاصرة.  
من الطبيعي أن  يكون لإقصاء الدين في كل المجالات رد فعل اجتماعي قوي و غريزي عنيف أحيانا و هستيري أحيانا أخرى في مختلف مناحي الحياة. لكن ذلك لم يكن سلبيا دائما حيث أن جهودا فكرية بدأت تجتهد لتستفيد من ذلك الزخم الفكري و تلك الغريزة المتوقدة. و لذلك فإن مجالات الإعجاز العلمي في القرءان و الطب النبوي و تجارب  البنوك الإسلامية و الأحزاب  السياسية الإسلامية و الاقتصاد الإسلامي لا تعدو أن تكون تجارب بشرية في مجال إعادة تأهيل الدين الإسلامي للدخول إلى الحياة المدنية و استعادة موقعه المركزي في البناء الحضاري.
و سواء اعتقدنا أن المصطلح كان موجودا من قبل أو اعتبرنا أنه من وضع المستشرقين، و سواء اعتبرناه ضربا من النشاط الحركي الإسلامي أو سقوطا في فخ المستشرقين فإن جوهر المسألة و محور البحث الأكاديمي هو السؤال الرئيسي: هل هناك رابطة بين الإسلام و المدينة، و بين الإسلام و العمارة؟ أو على الأقل هل كان للإسلام أثر يذكر – صغيرا كان أو كبيرا- في تشكيل المدينة و توجيه فن العمارة و البناء؟ لا يمكن لأكاديمي يملك ذرة من عقل و منطق أن ينفي فرضية وجود علاقة بين الدين الإسلامي على الأقل كمنظومة ثقافية و الظاهرة العمرانية، و من ثمة الحاجة إلى دراسة تلك العلاقة ابتداء من وضعها النظري المجرد، مرورا ببعدها التاريخي، و وصولا إلى تطبيقاتها المعاصرة أو المستقبلية.
كما أن حداثة المفهوم لا يمنع من إنشاء مساحة جديدة في البحث العلمي تدرس مدى ارتباط الإسلام بالبيئة المبنية و بالمدينة و بالعمارة، طالما أنها تستند إلى فرضية علمية و منهج بحثي أكاديمي و تقدم  البراهين المعقولة و التي بالطبع تقبل المناقشة و الأخذ و الرد. فالكثير من المجالات البحثية نشأت من فرضيات علمية و سرعان ما تحولت إلى مواضيع معتبرة بل و مدارس فكرية و تطبيقية. فهل كانت العمارة الإقليمية "ريجيوناليزم" مثلا غير موجودة قبل بروز النظرية؟ بالطبع لا، لأن العمارة بطبيعتها كانت إقليمية ترتبط بقوة بمكان نشأتها، و إنما أخذت مكانتها في الممارسة العمرانية والمعمارية بسبب طغيان الطراز الحداثي العالمي الشمولي.
 
 
Dr. EMAD HANI ISMAEEL
 
                 Ph.D. in Technologies for the Exploitation
                 of the Built Heritage .
                 Senior Lecturer in the Dept. of Architecture
                 College of Engineering , University of Mosul 
                 Mosul - Iraq .
 
E-mail:        emadhanee@yahoo.com
                   emadhanee@gmail.com
                   http://emadhani.blogspot.com/
Tel :           +964 (0)770 164 93 74

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق